منتديات اهل السنة في العراق

منتديات اهل السنة في العراق (http://www.sunnti.com/vb/index.php)
-   ارشيف المنتدى (http://www.sunnti.com/vb/forumdisplay.php?f=23)
-   -   سجن نقرة السلمان ذكريات ومآسي (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?t=38091)

علي الموصلي 2021-08-14 10:57 AM

سجن نقرة السلمان ذكريات ومآسي
 
سجن نقرة السلمان ذكريات ومآسي
{ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد} هود 100

حقا شعب العراق مرًّ بمآسي كثيرة وربما أشدها وطأة هي ظلم السجون وظلمتها أيما كانت السلطة فلكل سلطة أعداء أو تخلق لها من العدم أعداء وكأنه لا يحقق النظام غايته إلا بتكامل طرفين متناقضبن جانب يراه عدلا يحقق طموحه وجانب أخر عدوا يكرس غايته وفي رؤيته وجود الطرف الثاني ضروريا يقضى عليه أو يبقيه حسب الحاجة والظرف وربما ليس العراق وحده هكذا فمئات الأنظمة في العالم تسير الخطوة ذاتها ..
في هذا الموضوع الذي يهمني هو أن أسلط الضوء على سجن نقرة السلمان

-------------------

سجن نقرة السلمان في زمن الملكيه. لايعرف الأبناء والأحفاد أن ثمة واحد من اكبر وأقسى السجون في العالم ، كان يقع في العراق . وللأسف فأن معظم نزلاء ذلك السجن اللعين كانوا من الأدباء والشعراء والنقاد والفنانين والمثقفين عموما والانكى من ذلك انهم من المثقفين اليساريين المؤمنين بفكرتي التقدم والحرية . يقع هذا السجن ..نقرة السلمان أو (نٌگرة السلمان كما يطلق عليه الناس بلهجتهم الشعبية) في السماوة وهي اليوم محافظة المثنى وبالضبط في ناحية السلمان ، وفي منطقة صحراوية

https://i.pinimg.com/564x/ce/97/20/c...90f39eda6d.jpg
----------------------------------------------------------------
نـقـرة السـلـمـان … فـي ذاكـرة التـاريـخ

عاصم محمد مطير الطائي

كان الوقت بداية الستينات من القرن الماضي يوم ألقي القبض علينا – نحن مجموعة – من السياسيين الوطنيين العراقيين، وكانت (جريمتنا) الوحيدة من وجهة نظر المغرضين في اجهزة الامن وبعض مخابرات النظام وقتذاك تتلخص بكبر حبنا لشعبنا ووطننا (العراق العظيم) ومدى استعدادنا للدفاع عن ثورتنا ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة، غير ان الظروف حينذاك ابت إلاّ ان تسير بالضد مما نرغب ونريد، فحصل ما حصل للاسف الشديد، وهذا معروف ومعلوم للقاصي والداني على حدٍ سواء . اجل : ان الذي حصل في عموم مدن قطرنا وقتذاك كان اصاب الكثير من ابناء شعبنا المخلصين الذين هم لحمة الثورة وسداها، وكنت وقتذاك احد ضحايا النظام الوطني بحلوه ومره لأقضي خمس سنوات عجاف في سجن نقرة السلمان ما بين (1960-1965) ،https://i2.wp.com/hakaek.net/wp-cont...size=300%2C227 وقبلها قضيت عامين في معسكر قتيبة في الشعيبة في العهد الملكي ما بين (1956-1958) ، اجل ان (سجن السلمان) الرهيب ضمّ بين جدرانه الحجرية المئات تلو المئات من المناضلين الوطنيين والتقدميين الاصلاء – عسكريين ومدنيين شيوعيين وقاسميين ومستقلين ومن الحزب الديمقراطي الكردستاني وغيرهم للاعوام (1959-1963). كذلك استقبل السجن عام 1991 المئات تلو المئات ايضاً – ضحايا انتفاضة العام اعلاه، ومن الاخوة الفيليين الذين اعتبرهم النظام السابق من التبعية الايرانية، وهم في حقيقتهم عراقيون مخلصون لشعبهم ووطنهم عراقنا الحبيب! ومن الناحية الاخرى نجد ان سجن نقرة السلمان كان يبعد عن محافظة المثنى ما يقارب (160) كم –https://i1.wp.com/hakaek.net/wp-cont...size=300%2C188 وهذا السجن بناه القائد البريطاني العجوز (كلوب باشا) الملقب (بأبي حنيك) وسط الصحراء الغربية الممتدة حتى حدود المملكة العربية السعودية، وهذه المنطقة الصحراوية على سعتها وامتداد اطرافها لا زرع فيها ولا ضرع ولا اثر للحياة إلاّ ما ندر، وعند النظر اليها للوهلة الاولى نجدها ارضاً جرداء وموحشة كما لو كانت منطقة اشباح ليس غير، إذ السكون المطبق يلفها إناء الليل واطراف النهار صيفاً وشتاءً – ليلاً ونهاراً – على حدٍ سواء، حتى لا يسمع فيها شيء سوى نباح الكلاب وعواء الذئاب، واحياناً حدو البدو وهم على ظهور جمالهم، وكان ماء المنطقة غير صالح للشرب لملوحته النسبية، وما نشربه ونغتسل به يجلبونه لنا بالسيارات والتنكرات من مسافات بعيدة.
وعن الزواحف والهوام السامة والقاتلة فحدث ولا حرج، لاسيما في فصل الصيف القائظ، وفي الساعات الاولى من الصباح لعبورنا البوابة الحديدية للسجن المتكون من عشر قاعات متقابلة وملحقاتها لن نجد امامنا من السجناء والمعتقلين السياسيين إلاّ بقدر اصابع اليد الواحدة، جميعهم كانوا من ابناء الموصل الحدباء كانوا قد احتجزوا، والبعض الآخر كانوا قد حكموا بالاعدام من قبل المحاكم الخاصة في عهد الزعيم الراحل عبدالكريم قاسم للاسف الشديد، هؤلاء جميعاً كانوا من مؤيدي النظام الجمهوري الفتي وقتذاك ومن المدافعين عن ثورة الرابع عشر من تموز الوطنية ومجمل مكتسباتها التقدمية بدمائهم وارواحهم واعز ما يملكون. وفي ذلك الوقت العصيب سارت الرياح بما لا تشتهي السفن، وحصل ما حصل وقتذاك، وهذه الحالة تعد سابقة في تاريخ المناضلين والسياسيين المحبين لشعبهم ووطنهم ولزعيم بلادهم حصرياً، وبالفعل والواقع نفذ الانقلابيون بعد (8) شباط من العام 1963 حكم الاعدام بهم بعد ان انتزعوا من بين صفوفنا من داخل السجن كما هو معلوم. هذا وبجوار السجن الجديد كانت تنتصب القلعة الحجرية القديمة الاكثر رعباً ورهبة، كما لو كانت علبة سردين حيث لا ابواب ولا شبابيك تطرز جدرانها الا من فتحات صغيرة كانت تصوب عبرها البنادق اثناء المعارك والغزوات التي تحصل آنذاك، وعندما يُؤتى بالمعتقل أو السجين السياسي يصعد وينزل من خلال فتحات مربعة من الجوانب ومن سطح الطابق الثاني ليس اكثر، وكانت مبطنة جدران القلعة من الداخل بصفائح حديدية تضاعف من درجات الحرارة صيفاً، ومن البرودة شتاءً، لان القلعة صممت اصلاً للحروب والغزوات، ولا تصلح لسجن أو معيشة البشر. وهذه القلعة الحجرية اللعينة ستظل خير شاهد على ظلم العهد الملكي المباد، وفي الوقت نفسه تشكل علامة بارزة لما عاناه المناضلون السياسيون وقتذاك، وبالمناسبة اود ان اشير الى مسألة مهمة وجوهرية، خلاصتها: نحن المعتقلين والسجناء السياسيين في سجون (النقرة وبعقوبة ، والحلة ، وبغداد ، والانبار ) وغير ذلك للفترات من عام 1963 فما دون لم نشمل بقانون مؤسسة السجناء السياسيين المرقم (4) لسنة 2006 كما ذكرنا اليست هذه مفارقة غريبة وعجيبة تحصل في ظل عهدنا الجديد!!.
نعود من حيث بدأنا ونقول: بعد انقلاب (8) شباط 1963 كانت قد تغيرت ظروف سجننا من سيئ الى اسوأ لاسيما بعد أن تسلم السجن افراد الحرس القومي بدلاً من الحراس البداة – سكان المنطقة الاصليين بغالبيتهم الذين بحق وحقيقة اصحاب اخلاق طيبة معنا وقتذاك وبمرور الوقت اخذ السجن يستقبل المئات تلو المئات من المعتقلين الساسيين من مختلف الميول والاتجاهات، عسكريين ومدنيين، والجميع عشنا اخوة منضبطين وملتزمين بالعمل والنظام كل حسب قدرته الجسمية والنفسية، خصوصاً القضايا المعيشة الرياضية والتسلية وغيرها كما ذكرنا وتجدر الإشارة الى ما يسمى بـ (قطار الموت) الذي حمل الينا مئات المعتقلين السياسيين ضحايا موقف رقم 1 في معسكر الرشيد بعد فشل حركة (حسن سريع) الوطنية المعروفة، وكان بعضهم بين الحياة والموت جراء مؤامرة احيكت ضدهم وتصفيتهم جسدياً وجماعياً، لولا شهامة سائق القطار المكلف بنقلهم الى سجن (نقرة السلمان) ، هذا السائق الوطني الغيور سرعان ما ضاعف سرعة القطار تحاشياً لقرب انتصاف النهار وارتفاع درجات حرارة الظهيرة، وكان الجميع قابعين في (فاركوناتهم) التي زفتت ارضيتها واقفلت ابوابها من الخارج بالاوكسجين كذلك نخوة ابناء السماوة الكرام الذين هبوا هبة رجل واحد نحو محطة القطار حال سماعهم اللعبة والمؤامرة ضد هؤلاء المناضلين عسكريين ومدنيين، وموقفهم هذا لاشك حال دون حصول ما لا تحمد عقباه والحمد لله تعالى باستثناء واحد من الاخوة العسكريين الذي فارق الحياة ودخل سجل الخالدين.
ان بقاء أفراد الحرس القومي في سجننا هذا يعد من أسوأ الفترات التي مرت علينا فالحجز المتواصل داخل قاعاتنا العشر طوال ساعات اليوم باستثناء ساعتين خصصتا لقضاء بعض الحاجات ليس غير. كذلك منعوا عنا قراءة الكتب والصحف والمجلات، بل حتى الاستماع الى المذياع العام والخاص، وفي الوقت نفسه منعوا اهلنا من زياراتنا الشهرية كالمعتاد، ومع ذلك تمكنا من ترتيب وتنظيم حياتنا اليومية سياسياً ومعيشياً ورياضياً وترفيهياً كما ذكرنا وحسب الظروف وبضوء الامكانيات المتاحة، حتى كانت تصلنا اخبار الخارج عبر الراديو السري الوحيد لدينا، فضلاً عن نشرة خطية داخلية سرية كانت تقرأ علينا داخل قاعات السجن المغلقة علينا.
كان للسجناء والمعتقلين السياسيين على اختلاف مللهم ونحلهم حرية ممارسة شعائرهم الدينية ، لاسيما في شهر رمضان المبارك، وعند هذا المنعطف لابد لنا ان نتذكر بفخر واعتزاز ذلك الضابط الشاب والشجاع صلاح من ابناء الموصل الحدباء الذي كان محكوماً وزملاءه بالاعدام في عهد الزعيم الراحل عبدالكريم قاسم للاسف الشديد، ونتذكر كيف هرب عبر اسوار السجن العالية في تلك الليلة الشتوية قارسة البرودة والظلماء لكنه ظل الطريق وسط عواصف الصحراء الرملية ومات بعد عشرة ايام من هروبه من السجن، وكان وقتها مصاباً بمرض الكلية المزمن، حتى نفد عنده قليل الماء والطعام، ومات وحيداً لكنه مات ميتة الابطال، كذلك نشير الى تلك الغرفة الصغيرة التي اعدت لتداوي المرضى واجراء العمليات الجراحية الصغرى وحتى المتوسطة اضطراراً، وبدون التخدير الذي منع ادخاله السجن في فترة الحرس القومي، هذه المعالجات والعمليات الجراحية كان يقوم بها الدكتور العسكري المرحوم (رافد صبحي اديب) وعليه يمكن القول ان لهذا السجن ملفات وذكريات جميلة ومؤلمة احياناً ما يتوجب على مجموع القوى الوطنية والديمقراطية والتقدمية في عموم البلاد وفي الخارج ايضاً جمعها ودراستها وتوثيقها بصدق وصراحة ونكران الذات.
واخيراً وليس اخراً نتوقف عند مسألة مهمة لحظة تعرضنا جميعاً الى ابشع مجزرة دموية صبيحة (8) شباط عام 1963 غير ان عناية الله تعالى حالت دون تحقيق مثل هكذا عمل دموي بحق جميع نزلاء السجن وقتذاك فاستسلم جميع افراد الحرس القومي على اثر برقية وردتهم من بعض قيادات النظام الجديد بعد سقوط النظام القديم ، وسلّموا اسلحتهم وحراسة السجن إلى افراد شرطة البادية، وتعالت الفرحة بسلامة كل النزلاء في السجن في ذلك الوقت العصيب.
بقي ان ان يعرف كل مواطن عراقي غيور مقدار الحيف الذي لحق بهؤلاء المناضلين الاشداء للاعوام ما بين 1963 ودونه في ظل عهدنا الديمقراطي الجديد للاسف الشديد، حيث لم يشملوا حتى الان بقانون مؤسسة السجناء السياسيين رقم (4) لسنة 2006 وهم اللبنة الاساس والاولى في جميع نضالات وانتفاضات شعبنا الوطنية وفي مقدمتها ثورة الرابع عشر من تموز التقدمية.
وقبل ان اختم الموضوع فقد قلت الحق والحقيقة، والتاريخ القديم والمعاصر هو الفيصل الحكم علماً ان سجن (نقرة السلمان) كان من اكبر المدارس السياسية والايديولوجية في العراق وتخرّج فيه الكثير من المناضلين الوطنيين والثوريين الحقيقيين، عسكريين ومدنيين ومن مختلف الميول والاتجاهات كما ذكرنا، وسيظل هذا السجن بمثابة المشعل الوهاج في ذاكرة الانسان والتاريخ والحر تكفيه الاشارة والعبرة لمن اعتبر.
Read more: http://www.sotaliraq.com/mobile-news...#ixzz3P7Zr7RDw



https://books.google.iq/googlebooks/...over_thumb.gif
صدر عن دار الينابيع للكاتب والصحفي والأديب والمناضل المخضرم جاسم محمد المطير كتاب نقرة السلمان,والكتاب عبارة عن مذكرات أوراق سجين سياسي عراقي, ينقل لنا معاناته وعذاباته مع رفاقه داخل السجن للفترة من عام1961 ولغاية عام1968, حيث أشار الكاتب إنهُ كان في أغلب تلك الفترة المسؤول الحزبي الثاني لتنظيم الشيوعيين داخل السجن, إذ كان الأول عبد الوهاب طاهر ومن بعده كاظم فرهود وبعدهما رفاق لا يدري الكاتب من هم بسبب مغادرته سجن نقرة السلمان إلى سجن الحلة منقولاً في ربيع عام1967 وقد أبقى أوراقه السجنية مع رفيق الدرب سامي أحمد العامري

علي الموصلي 2021-08-14 11:10 AM

رد: سجن نقرة السلمان ذكريات ومآسي
 
نكرة السلمان سجن عثماني يرعب العراقيين منقول من النت

أعتقد أن العنوان أعلاه خاطيء حيث أن سجن نقرة السلمان تم بناؤه عام 1926 - 1928 بناه الإنجليز


اشتهر بلقب "باستيل العراق" وسجن فيه معظم معارضي السلطات المتعاقبة

https://scontent.fosm4-1.fna.fbcdn.n...3e&oe=613EAB16
يثير ملف سجن "نكرة السلمان" شجون الكثير من العوائل العراقية التي اعتقل أبناؤها خلال العقود الماضية في المكان الذي غالباً ما يلقب بسجن "الباستيل القديم" أو "غوانتنامو الجديد"، ويشبه بالمعتقلات المرعبة التي اشتهرت عبر التاريخ.عثماني - بريطاني - عراقي

وعن تاريخ "نكرة السلمان"، شرح الكاتب والنسّابة المعروف عبدالحليم الأعرجي لـ"العربية.نت" أن "تاريخه يعود إلى الدولة العثمانية، حيث استخدم كملاذ آمن للقوات المكلفة بترويض العشائر المناهضة لحكم الأتراك، ثم اتخذته القوات البريطانية بعد دخولها إلى العراق عام 1914 سجناً حصيناً ليكون منفى الوطنيين الكارهين للاستعمار البريطاني".

وأضاف: "وبعدها أصبح هذا المكان معتقل معارضي الحكومات العراقية المتعاقبة"، مشدداً على أن "السجن شهد تطويرات كثيرة ليس على صعيد الخدمات أو الترفيه، وإنما على قاعاته ووسائل التعذيب المبتكرة فيها".

أما سبب تسميته بـ"نقرة السلمان" فيعود لكونه قد أقيم في منخفض منطقة السلمان الواقعة بين صحراء نجد وحفر الباطن وبادية السماوة، والتي يصعب الاهتداء إليها إلا من قبل البدو الرحل والمهربين.

مأوى الأدباء والمفكرين

ولم يكن اختيار هذه المنطقة عبثاً، فهي عبارة عن منفى في صحراء متناهية الأطراف مشهورة بالكثبان الرملية المتحركة وبالصخور المسننة، وأقرب منطقة مأهولة إليها تبعد أكثر من 200 كم، ولذلك فإن أي عملية هروب من السجن تكاد تكون مستحيلة، خاصة أن الحيوانات المفترسة كالذئاب والضباع والكلاب المتوحشة تجوب هذه الأنحاء ليلاً ونهاراً.

ومن جانبه، قال الروائي والإعلامي المعروف، جمعة اللامي، الذي قضى شطراً من عمره كسجين سياسي: "بالنسبة لي فإن "السلمان" موجودة في روايتي "المقامة اللامية" والتي هي عبارة عن سيرة روائية لسجن النقرة".

يذكر أن الروائيين ليسوا الوحدين الذين أرخوا سجن الباستيل العراقي، فقد كانت قصائد الشاعر العراقي الكبير مظفر النوّاب تهرب لمعجبيه من داخله، ليتناقلها السياسيون والكارهون للحكومة كأدلة اتهام ضد مصادرة الحريات واضطهاد أصحاب الرأي.

بطولات السجناء

وكشف الفريد سمعان، المحامي وأمين عام اتحاد الأدباء، أنه كان مسؤولاً عن "القاووش رقم 10" الذي كان يضم مجموعة من الشعراء والفنانين (والقاووش كلمة تستعمل في السجن بدلاً من القاعة). ويصف سمعان كيف أن" نكرة السلمان وبعدها عن المناطق المأهولة تسرب إليك إحساساً بالنهاية واللاأمل".

وتذكر المؤلفات التي تطرقت إلى "باستيل العراق" صدامات كثيرة بين السجناء والسجانين وعشوائية الاغتيالات التي كانوا يتعرضون لها، إلا أن بعض المؤلفات تحدث عن بطولات صغيرة في غاية الأهمية بالنسبة لمن قدر لهم أن يسجنوا هناك، كإقامة دورات بتعليم اللغات وعروض الشعر والحفلات الترويحية لوجود الفنانين في السجن، كالفنان سعدي الحديثي.

وفي الوقت الذي تتنامى فيه المطالبة بالحريات العامة واحترام كرامة الإنسان، يسعى البعض لإعادة تأهيل هذا السجن بعد أن أهمله التاريخ.

علي الموصلي 2021-08-14 11:16 AM

رد: سجن نقرة السلمان ذكريات ومآسي
 
نقرة السلمان

جاسم المطير
الحوار المتمدن-العدد: 78 - 2002 / 3 / 2 - 16:48


يجهل كثير من العراقيين حقيقة سجن نقرة السلمان وعذابات السجناء الشيوعيين والوطنيين ممن عاشوا في داخل هذا المعتقل البغيض الذي أمسى رمزاً للأضطهاد والقمع والظلم والأستبداد.
يرجع سبب قلة المعلومات المتوفرة عن هذا المعتقل لندرة التدوين عمّـا صاحبه ، منذ تأسيسه ، من أحداث جسام ، ألقت بظلالها على حقبة زمنية طويلة من التاريخ العراقي المعاصر..
ها هي البداية..
بل الصفحة الاولى من السجل التاريخي والانساني للأحداث التي تمخضت عن هذا المعتقل .. نأمل أن يستمر تدوين صفحات أخرى من خلال مشاركة كل عراقي دخل دوامة الصراع والمعاناة والنضال بين جدران ذلك السجن الرهيب ..
الحقيقة يجب ان تصل للأجيال الجديدة من المناضلين ساطعة صادقة ، فهذه أمانة تاريخية من حق أبناء الشعب العراقي ان يطلعواعليها.
ندعو الجميع ونناشدهم للأسهام في رفد الكاتب بما لديه من معلومات وحقائق أضافية أو تصحيحية تثري هذا السجل الذي يمس الكثير من حياة المناضلين .
وشكراً..
( الحلقة الأولى )
تمهيد ..
في بداية كانون ثاني من عام 1964 دخلت الى سجن نقرة السلمان . السجن السيئ الصيت في بلاد العرب كلها ، يعزل ساكنيه عزلاً تاماً عن العالم كله . لا شيء يمتد أمام أعين السجناء غير السماء . لا شيء ينبسط ولا شيء ينطلق . مكان ينعدم فيه التاريخ فلا أحد يعرف الزمن الذي مضى ولا الزمن الذي يأتي . لا السجين يعرف متى ينتهي مصيره ولا السجان يعرف متى تنتهي وظيفته . بين شروق الشمس وغروبها أسئلة كثيرة ومشاكل كثيرة . بين غروب الشمس وشروقها ثانية تتشكل المأساة في كوابيس كل سجين .
الصحراء هي العالم الوحيد المحيط بجدران السجن والسجناء وحتى السجانين أيضاً هم سجناء بمعنى آخر ، حركتهم أوسع ، مكانهم أكبر ، لكن زمانهم له بعض وجود ، مثلنا تماماً كلما مر يوم نزداد تعطشاً الى الحرية . .
لا يمكن لأي واحد أن يتجاوز على حاضره فهو مستبعد من أية قدرة . القضية الوحيدة العائشة في كل لحظة مع السجناء هي قضية الصراع مع الألم . ولا شيء يبعد الألم غير التأملات المتسلسلة المنبثقة عن إيمان السجين بأن القيود لا بد ان تتحطم ذات يوم مهما طال الزمن .
أصطحبتُ معي الى هذا المكان أقلاماً وأوراقاً. فقد كنتُ قد قدرتُ قبل المجيء الى هنا أن تفاعل السجين مع محيطه ومع وجوده القاسي يجب ان يدوّن . أنه طموح لازمني منذ أول لحظة صدر فيها أمر نقلي من مركز شرطة العشار الى سجن نقرة السلمان .


في هذا المكان لن يكون فيه تراث بدون قلم ، بدون شحذ ذاكرتي بمغامرتي في الكتابة عن حياة الناس هنا ، كأنني موكل لقلمي مهمة خاصة هي تدوين بعض المعاناة تدويناً أميناً بواسطة رسائل موجهة من داخل السجن الى خارجه حاملة بالتشفير تارة وبالصريح من التعبير تارة أخرى ما ألاحظه بعيني وما أسمعه بأذني من أحداث وأقوال ، ووقائع ، وأفكار ، و تقاليد ، وهموم ، وأخلاق ، وصراع ، وما يأتيني من ماضي الذكريات . أدى قلمي بعض مهمته بشكل تجسد ، بالتالي ، في هذه الذكريات التي تحمل تدوينات فيها خواطر ، وحقائق ، ووقائع .أنها أمتزاج خالص بين العواطف والأحاسيس والأفكار وأشياء عديدة أخرى من مشاعر الخوف ، والقلق ، وتقلبات المزاج الصعب . لكنها ، جميعاً ، تعبر عن ملتقى كائنات في وحدة لا يتجزأ عنصرها عن أنفاس السجن وقساوة طقوسه ومرارة أيامه .


في رواية من روايات الكاتب اليهودي النمساوي ستيفان زيفايج ( لا أتذكر اسمها ) لكنني أتذكر أنها تتناول معاناة سجين لم يستطع التخلص منها إلاً بممارسة حريته في استعادة ما قرأه من كتب الأدب وفي أستعادة ما حفظه من قصائد الشعر ، واستعادة جميع ذكرياته ، وعندما أنتهى من استعادتها كلها ظل يلعب ، في زنزاته ، الشطرنج مع نفسه . . وقد أفادني زيفايج بتكريس وقتي داخل السجن ليس في استعادة الذكريات حسب ، بل في تدوين ذكريات جديدة مصحوبة بلعب الشطرنج أيضاً ولكن مع آخرين ، فأحياناً ينظم السجناء السلمانيون مباراة شطرنجية كنتُ أتفرج على منافسات أبطالها ..
بعد أكثر من عشرين عاماً على تحرير تلك الرسائل والذكريات واستقرارها في فوطة والدتي المحفوظة بقطعة نايلون داخل صندوق صغير من الحديد مدفونة في حديقة دارنا بحفرة أسمنتية لا تثير انتباها ، هندسها أنور طه البصري ذات يوم ، أعدتُ قراءتها مع مجموعة أخرى من الأوراق التي كنتُ أحتفظ بها مع مجموعة أخرى من رسائل الأهل والأصحاب التي كانت تردني من خارج السجن وبعضها من خارج العراق . يعود الفضل في بقائها وسلامتها الى الصديق سامي أحمد العامري الذي بذل جهداً كبيراً في صيانتها .
تأوهتُ كثيراً وتألمتُ حين ضاع بعضها في سجن آخر ، سجن الحلة ، بعد أن هربتُ منه. فمن أمنته إياها لم يكن في ساعة من ساعات خوفه أميناً عليها فأحرقها .
حاولت أثناء أعادة قراءتي لأوراق السجن تذكر مناسبات كتابتها ، وفك بعض رموزها ، وتخليصها من غموض بعض العبارات التي اضطررت إليها في حينه وأنا أدونها داخل السجن أو أهربها الى خارجه بصيغة معينة ( مبهمة ) بقصد تمويهها على إدارة السجن أو الحذر من وقوعها بأيدي أجهزة الأمن التي لم تكف لا عن مطاردة زوجتي ولا عن تفتيش بيتي ولا عن اعتقال والدتي لمرات عديدة بعد سجني .
المهم أن أوراقي ضمنت لنفسها ، في النهاية ، سلامة العبور فوق جسور عديدة . بعضها عَبَرَ جسر المراقبة البريدية ، وبعضها عَبَرَ جسر المداهمات البوليسية البيتية وبعضها عَبَرَ جسر الرقابة السجنية .
الشيء المهم أن كلمات هذه الذكريات تهمي كلمة كلمة ، يأتي معناها جزءاً جزءاً ، تأخذ طريقها الى الحقيقة المرة في حياة السجين السياسي حيث يتعمق معنى كلماتها تارة ويوهن تارة أخرى ، لكن لا غنى لبعضها عن البعض الآخر ، فهي بكل الأحوال تعبر عن تطلعات شخصية ظننتها عامة ، وعن آمال شخصية ظننتها عامة ، وعن آلام شخصية ظننتها عامة ، وعن وعي شخصي ظننته عاماً . برغم كل شيء فأنها بمجموعها تشكل خطوطاً متصلة كجزء من ذكريات ( نقرة السلمان ) في بعض مراحلها الصعبة .


أن أمر تقييم تلك الظنون متروك للقارئ ، خاصة ذلك القارئ الذي عايش الأحداث نفسها ، أو الذي كان مولعاً أو مهتماً بمتابعة أخبارها وعلاقاتها .


عانيتُ أول ما عانيت قساوة تذكر تاريخ الأحداث السجنية وتاريخ عدم تدوين عدد غير قليل من أوراقي برقم اليوم والشهر والسنة . لكنني ، بعد عجزي ، وجدتُ كتابتها بأهمال ذكر التواريخ مع اعتقادي بأهميتها ، أمراً ضرورياً . وهنا تنازعني أثنان : فتارة أجد أن الصواب هو تجسيد الغاية من الكتابة وفاءً لذكريات السجن وحده ، وتارة أخرى أجد أن طموحي ليس مكتملاً .


القلم بيدي والذكريات تناديني ، فوجدتُ أن لا بأس من تدوينها من دون ذكر أسماء العديد من الأسماء الصريحة لصانعي الأحداث السجنية ، بعد أن كنتُ قد أخفيتها مرمزاً إليها بأسماء مستعارة في ذلك الوقت نظراً لأنها كانت من الأسماء المناضلة المعروفة لدى الأجهزة البوليسية ، وبعضهم من أسماء الشباب الذين نشطوا داخل السجن وهم غير معروفين في خارجه ، مما يعني الكثير من الأذى لهم أو لعوائلهم في حالة وقوعها بيد إحدى تلك الدوائر . مثلاً وجدتُ فيها ثلاث رسائل مطولة تتحدث عن سجين سياسي سميته ( الحاج ذياب ) في رسائلي المرسلة الى الخارج وكان يبدو فيها أنني حاورت هذه الشخصية كثيراً وكم من الوشائج تربطني بها لكن هيهات أن أتذكر حقيقة هذه الشخصية بعد أن بلغتُ من العمر عتيا..! رغم أن ذاكرتي تلمح أن الحاج ذياب هو المقدم الركن سليم الفخري الذي كانت تربطني به علاقات يومية في سجن السلمان .


وكم يؤلمني ضياع ما يقرب من مائتي صفحة فولسكاب من هذه الذكريات . كنتُ قد أعطيتها الى الصديق محمد الجزائري في بداية التسعينات لقراءتها وتدقيقها لغوياً كما كان معيناً دائماً لي في تدقيق ما أكتبه طوال أكثر من أربعين عاماً . كانت الصفحات تتضمن الكثير من جوانب نشاطات الأدباء السجناء في نقرة السلمان . أعادها الصديق محمد الجزائري لي مدققة لكنها وقعت بعد أسبوع واحد ضحية تحرٍ بوليسي فتحولت الى مكان آخر .. !
وجدتُ أثناء المراجعة أن الضرورة تقتضي تفسير بعض المحتويات بإشارات هامشية لم تكن موجودة في المتن الأصلي لرسائلي وأوراقي . كما وجدتُ ضرورة الإشارة الى أسماء أخرى لم تكن واردة في الأصل فوضعتها في هوامش أيضاً لكنها غير مثقلة بالتعليقات أو التعقيبات ، فظلت كما هي نابعة من القلب على بساطتها ، ونابعة من الحقائق الخاصة بمعاناة السجون .
يعود الفضل الأكبر لسلامة هذه الأوراق الى سامي أحمد العامري . فبعضها ، وهو ليس قليلاً، ظل مخبأً زمناً طويلاً معه. (( كان سامي قد قضى فترة غير قصيرة في سجن نقرة السلمان من العام 1961 لغاية العام 1968 حيث كان في أغلب تلك الفترة المسئول الحزبي الثاني لتنظيم الشيوعيين داخل السجن ، إذ كان الأول عبد الوهاب طاهر ، بعده كاظم فرهود ، وبعدهما لا أدري حين غادرتُ النقــرة )).
حين غادرتُ سجن النقرة في ربيع 1967 منقولاً الى سجن الحلة ، أبقيتُ أوراقي ورسائلي مع سامي أحمد الذي أبتلى بمهمة صيانتها لسنوات عديدة مخبأة بطريقة " فنية " مع أغراضه الخاصة وقد سلمني إياها في بغداد عام 1969
بقدر ما كان سامي أحمد رجلاً شفافاً محبوباً من قبل أغلب السجناء لمبادراته الكثيرة في حل المشاكل الشخصية للسجناء ورعاية مطالبهم وأفكارهم ومعاناتهم بغض النظر عما إذا كانوا شيوعيين أم لا ، فأن عبد الوهاب طاهر كان يشعر شعوراً حاداً بوهن المنفى السجني فضرب حول نفسه طوقاً من الممانعة في صحبة رفاقه أو أصدقائه داخل السجن . كان ينطوي على مجموعة من التصرفات والسلوكيات الانعزالية . كان يعيش في حالة من القلق الشديد ملازماً لعلاقاته داخل السجن الى حين خروجه ، فظل قلقه مصاحباً له حتى في تحديد موقفه من القيادة المركزية ، التنظيم المنشق عن الحزب الشيوعي العراقي عام 1967 .
خلال المدة الطويلة التي مرت على هذه الأوراق ـ حوالي 38 سنة ـ كانت أفكار عديدة تتحرك في داخلي بلا إرادة . تريد أن تهاجم جمودها على الورق . تحركت عندي رغبات عديدة قديمة في تحويل بعض مضامينها الى قصص قصيرة أو الى رواية تتحدث عن مآسي وعذابات السجون والسجناء أو عن رحلة عذاب شخصية عشتها في تلك الفترة . لكنني بقيت وفياً لحبها ، مستمداً من ذلك الحب قوة روحية مبعثها إلهام الذكريات وناتجها صياغة الذكريات .ومن المبعث والناتج أهتديتُ الى إبقائها كما هي مدونة في حالتها الأولى من دون إضافة جوهرية . ربما أضطررت الى حذف بعض المقاطع والأسماء لكن الجوهر ظل على حاله ليس من باب الكسل أو حباً بالمرارة الواردة في مضامينها ، بل رغبة في إبقاء إلهام الماضي على حاله ليتراءى لي جارفاً ، فاتناً ، في كل كلمة وفي كل عبارة .
أحس ، الآن ، بأن التفكير المتصل بزمان كتابة هذه الأوراق قد يرضي بعض الرغبات ، ويسعد القارئ أن يتعرف على جزء يسير جداً من بعض التاريخ العراقي للسجناء السياسيين . غير أن" تاريخ " الأوراق شكـّل عندي كابوساً لا مفر منه . ولابد ، بالتالي ، من إبعاده عن هذه الصياغة لتمر الأفكار سلسلة متواصلة سلسة الى قلب القارئ وعقله .
أول بداية لكتابة هذه الأوراق كانت في يوم 28 /1/1964 وآخر ورقة منها في 22/1/1967آملاً أن تكون أوراق ذكرياتي السجنية نقطة أنطلاق لسجناء آخرين ولكتاب آخرين لكي يضعوا موجوداتهم الفكرية ومعاناتهم السجنية على الورق الذي سيشكل بجهود جماعية ، تاريخ الوجود اللاإنساني لسلطات جائرة لا تعرف غير السجون وسيلة للحوار . فاستعانت بهــذه " النقرة " النائية الموحشة المليئة بالعقارب والأفاعي لتجعله ليس سجناً بأربعة جدران شاهقة حسب ، بل لتجعله مقبرة للأحياء ومكاناً احتفاليا في إعلان الترتيب المتجانس لأساليب القمع والعدوان على حق المثقف العراقي والسياسي المعارض مثلما على الإنسان العراقي وحرمانه من الحياة الكريمة ، ومنعه من الحرية وحق التعبير .
خلاصة هذه الأوراق سيجدها القاريء في أوراق سجين سياسي عراقي ، هي أن الماضي بقي موجوداً في المستقبل . فكل لحظة في الزمانين تدين أساليب قمع الانسان لأخيه الأنسان مع التأكيد على حقيقة ان الانسان العراقي المعذب سيظل المشروع الوحيد لحرية شعبنا التي ستنتصر في مستقبل مسيرة الانسان الحرة .
كان النبي يوسف على حق حين وصف السجن بالقول : هذا قبر الأحياء ، وبيت الأحزان ، وتجربة الأصدقاء ، وشماتة الأعداء ..
جاسم المطير

علي الموصلي 2021-08-14 11:22 AM

رد: سجن نقرة السلمان ذكريات ومآسي
 
سجن نقرة السلمان.. باستيل العراق

Posted on 27/06/2021 13:03
هاف بوست عراقي ـ
عبدالكريم الوائلي
لم يذكر لنا على مدار السنين الطويلة بتاريخ سجن نقرة السلمان ان احدا هرب منه ووصل سالما ابدا الا ما ندر، اما الموت من الظمأ او تاكله ذئاب الصحراء. وشاء القدر ان تتحول هذه المدينة الى مدينة ذات اسم سيئ السمعة والصيت وذلك بسبب المعتقل الموجود فيها والذي كان يعرف باسم نقرة السلمان . لقد ضم هذا السجن الرهيب في جدرانه وخلف قضبانه واسواره كثيرا من الاحرار والوطنيين والشرفاء الذين قالوا كلا للطغاة كلا للظالم، كلا للمستبد. . نعم نعم للحرية بهذه الكلمات بدأ حديث الاستاذ المعلم في تمهيد كتابه — نقرة السلمان بين الذاكرة والنسيان – بدأ كتاب الاستاذ محمد المعلم بمقدمة كتبها الاستاذ الدكتور باقر الكرباسي جاء فيها تؤلف الامكنة واحدة من العناصر الفاعلة في مرحلة اكتساب المدن هويتها التاريخية والثقافية ان لم تكن احيانا اساسا في قيام المدن ونشأتها وظهورها كمراكز مملوءة بالحيوية والنشاط. تالف كتاب الاستاذ المعلم من مقدمة وتمهيد وثماني فصول..
مع صور نادرة للاخوان الشهداء والمسجونين الذين تم اعدامهم في هذا السجن الرهيب.
بدأ المؤلف في الفصل الاول من كتابه التعريف ب (نقرة السلمان ) حيث يقول: لقدوردت كلمة السلمان في كثير من المعاجم اللغوية والمصادر التاريخية هي كما يقول الحميري : سلمان .. فعلان من السلم والسلامة وهو عربي محض قيل هو (جبل وهناك من يقول ان سبب تسمية نقرة السلمان بهذا المنخفض منذ سنين طويلة جدا يرعى (ابله فيه ) وفيه قال الشاعر: بئس الحياة بيوم سلمان …
يوم به شلت يدا عمران، أما الفصل الثاني فقد تحدث المؤلف عن الماء في منطقة نقرة السلمان في الماضي والحاضر ..
البدو سابقا كانوا يقولون ان المنطقة السلمان هي عبارة عن (عكلة مياه، يقصدون ان هذه المنطقة غنية بالمياه الجوفية ..) ويوجد في هذا المنخفض السلمان الكثير من الابار المنتشرة هنا وهناك ، لكن الامر الغريب والعجيب ان طعم الماء في كل هذه الابار (مج) ولايستساغ ولكن ما بالامر حيلة لايوجد غيرها هنا، اما الفصل الثالث فقد احتوى على الوضع الاجتماعي والثقافي في قضاء السلمان .. عند البدو كانت بمثابة منتجع سياحي ومكان تجاري ونقطة وصل بين مدينة السماوة والمملكة العربية السعودية.
اما الفصل الرابع فقد تحدث المؤلف عن السجون في قضاء السلمان، لقد شاء القدر ان تتحول هذه المنطقة الى المعتقل المميز ومعروف باسم سجن (نقرة السلمان الرهيب ) ان اختيار القلعة ((قلعة أبو حنيج كما يسميها غالبية الناس )) في منطقة نقرة السلمان لتكون سجنا خاصا بالسياسيين والخطرين على أمن الدولة في ذلك اليوم كان مجرد صدفة بسيطة لم تكن وفق خطة مدروسة بل بسبب بعض التصرفات غير الدقيقة التي قام بها السجناء الشيوعيون في سجن الكوت عام 1948 يقول حسقيل فوجمان المفكر السياسي والموسيقي العراقي والسجين في نقرة السلمان يتحدث عن تجربته وذكرياته في تلك الايام فيقول: ان سبب اعتقالي هو لكوني منظما الى عصبة مكافحة الصهيونية وكانت هذه المنظمة تضم عددا كبيرا من يهود العراق الذين لايؤمنون بالصهيونية عام 1945 ثم بعدها انضم الى حزب التحرير الوطني.
واول قافلة وصلت الى نقرة السلمان كمعتقلين كانت مؤلفة من سبعة اشخاص من ضمنهم الشاعر العراقي محمد صالح بحر العلوم وكان ذلك تحديدا في شتاء عام 1941 عاد مرة ثانية الى سجن نقرة السلمان عام 1952 انتهت مدة محكوميته في 19 / مايس / 1956 وخرج من سجن النقرة وكان مدير السجن في توديعه وقال له : انه ليس في هذا السجن الا الموت فرد عليه محمد صالح بحر العلوم ..
ولكن ذلك لم يعرقل الاحرار من اداء رسالتهم ومواصلة كفاحهم .
اما السجين جاسم المطيري فيقول: بعد إنقلاب شباط 1963 أجتمع في سجن نقرة السلمان رجلان كأنهما نهرا دجلة والفرات ..
الاول الشاعر العراقي الكبير (مظفر النواب ) والثاني سعدي الحديثي حيث افتتحت في تلك الفترة حفلات غنائية نادرة جدا .
يالرايح للشعب خذني .. وبنار المعركة ذبني .. بركبتي دين .. أريد اوفي على اعوام المضت مني .. حزبك دوم غانم وسالم .. شوكة بعين كل ظالم ..
اما الفصل الخامس .. فقد تحدث المؤلف عن قلعة الحدود او سجن القلعة حيث مرت على هذه القلعة مرحلتان مهمتان للسجناء .. الاولى ابناء المسفرين من الكرد الفيليين والتبعية الايرانية .. والمرحلة الثانية عوائل عراقية كردية جيء بها من قرى ومناطق كردستان العراق.
اما الفصل السادس .. فقد تحدث المعلم .. عن ناحية (بصية ) المدينة المجاورة لناحية السلمان وتقع هذه الناحية شرق قضاء السلمان بمسافة 2.. كم . اما الفصل السابع .. فقد تحدث المؤلف عن كلمات وامثال من البادية مثل ((جحلة )) وتعني شربة الماء الفخارية .. وكذلك كلمة ((برادغ )) ويعني القدح و ((بشكير)) ويعني المنديل الصغير . اما الفصل الثامن و الاخير ..
فقد كان لصور متفرقة ونادرة جدا حصل عليها المؤلف، حيث يقول المؤلف: في معظم البلاد العربية لايستطيع المواطن ان يفتح فمه الا عند طبيب الاسنان.
واخيرا ..
كان كتاب الاستاذ والمعلم جديرا بالقراءة ليضاف هذا الكتاب الشيق الى المكتبة العراقية والعربية خدمة للباحثين والمطالعين وان هذا الكتاب يعد كتابا تاريخيا وثائقيا ادبيا يندرج بفئة الكتابة عن تاريخ المدن وهو جهد رائع تضمن معلومات تاريخية دفينة مسندة بالوثائق والصور والمقابلات مع اشخاص لهم دراية بالمنطقة ..
منقول عن نبراس الذاكرة

علي الموصلي 2021-08-14 11:26 AM

رد: سجن نقرة السلمان ذكريات ومآسي
 
قصة صورتين نادرتين "للحجاج".. أشهر جلادي سجن "نقرة السلمان"

https://www.rudaw.net/ContentFilesAr...ersion=2267313
في أول محطات رحلة البحث عن جلاد نقرة السلمان، توجهنا إلى البصرة وعلمنا هناك عن طريق الصدفة، بأن لدى "حجاج التكريتي" جلاد نقرة السلمان الطاغي، صورتين محفوظتين عند أحد الأشخاص.

في عام 1988، بدأ نظام البعث بعملية أنفال الكورد عبر حملة عسكرية ممنهجة كبرى نفذت على 8 مراحل، وبحسب إفادات الناجين من الإبادة فإنه تم تفريق أفراد الأسر المعتقلة ضمن عملية الإنفال في مراحل لاحقة، حيث تم وضع الشباب في جهة والنساء والأطفال وكبار السن بجهة أخرى، وتم نقل الشباب إلى قبور جماعية عبر الحافلات لدفنهم فيما نقل الباقون إلى سجن نقرة السلمان سيء الصيت، والذي يقع جنوب العراق قرب الحدود مع السعودية.

آلاف المؤنفلين اعتقلوا في سجن "نقرة السلمان"، وكانوا يتعرضون للتعذيب اليومي من قبل جلاد حوّل السجن إلى بقعة من جهنم، هذا الجلاد هو "حجاج التكريتي" الذي كان يعرف بين السجناء باسم "الحجاج"، وكان مسؤول السجن، صوره محفورة في ذاكرة المؤنفلين، لكننا في هذه الرحلة نريد العثور على صور الجلاد الذي لم يكن يقوى المئات على تحمل وجع ضربات سوطه، وكانوا يقتلون تحت تأثير التعذيب في نقرة السلمان.

خلال هذه الرحلة عرفنا عن طريق الصدفة أن أحدهم يحتفظ بصورتين لـ"حجاج التكريتي"، وأن ذلك الشخص هو قريب أحد رفاق الجلاد في أحد معسكرات التدريب التابعة لنظام البعث في ثمانينات القرن الماضي.

في أحد مقاهي البصرة، ألتقيت بأبو عدنان، وسألته عن كيفية حصوله على الصور، فأجاب: "حصلت عليها من أحد أقاربي الذين تدربوا مع الحجاج في بغداد".

حينما نظرت إلى الصورتين وجدتهما بالأبيض والأسود ويبدو أنهما التقطتا في ثمانينات القرن الماضي.

في الصورة الأولى يظهر الحجاج رجلاً عريض الوجه ذو شارب كث وهو يتناول أفعى، برفقة أشخاص آخرين، وقد احمرت شفاههم بدم الحيات، ويبدو أن الصورة تعود لأحد التدريبات العسكرية، وفي الثانية يقوم بتقطيع أرنب وعيناه تتطاير منهما الشرر، في كلتا الصورتين.

لكنني كنت لا أزال غير متأكد بأن هاتين الصورتين تعودان "للحجاج"، لذا عدت إلى مدينة السليمانية، وهناك التقيت مع عمر محمد الذي يعمل منذ سنوات طويلة في توثيق عمليات الأنفال، هو يملك رؤية مرسومة في ذهنه لهيئة الحجاج، من خلال الوصف الوارد في إفادات الناجين من الأنفال.

وحالما رأى عمر محمد الصور قال: "لا أستطيع القول أن هذا هو حجاج التكريتي مئة بالمئة، لكن بحسب ما وصفه الشهود على الأنفال، فإني ما أن رأيت الصور، لم أشعر بأنني شاهدت شخصاً غريباً".

لا زلت بحاجة للمزيد من البحث، وعلي أن أتوجه لسجن نقرة السلمان للتأكد من هوية صاحب الصورتين، وكذلك لمعايشة التجربة التي قاساها ضحايا الأنفال عن قرب.

السجن يبعد ثلاث ساعات عن مدينة السماوة، وقيل لنا أنه بدون وجود مفرزة للشرطة فأننا لن نتمكن من الوصول إلى الوجهة المحددة لأن السجن يقع في منطقة نائية.

مررنا بصحراء قاحلة، وعلى مدى تلك الساعات الثلاث لم نمر بأي منطقة عامرة، بعد تخطي قضاء السلمان، لاحت لنا من بعيد بقايا سجن نقرة السلمان، دخلنا إلى السجن وعدنا بالزمن إلى 29 سنة مضت، حيث كانت باحة السجن وزنزاناته تعج بالكورد المعتقلين في حملة الأنفال، لا تزال الجدران والأرضيات تروي آلام هؤلاء الضحايا، ومظهر المكان يشعرك بحجم عُتُوّ "الحجاج" وبقية زملائه، وفي إحدى زنزانات السجن، لاتزال الكلمات التي كتبها معتقلون باللغة الكوردية ظاهرة.

التقينا بعذاب الشمري، وهو من أهالي السلمان، يؤكد أنه يعرف "الحجاج" عن قرب، حينما كان يبلغ من العمر 10 أعوام، بالقول: "حينما كنا أطفالاً كنا نجلب المشروبات الغازية من الحلة، ورأيت الحجاج والسجناء الكورد أكثر من مرة".

وبعد مشاهدته الصورتين، أشار إليهما وقال: "صاحب الشارب الكث، هذا هو الحجاج، كان يملك سيارة لاندكروزر بيضاء وسيارة سوبر موديل 1985".

ربما أفضل من يساعدنا للتثبت من هوية صاحب الصورتين، هم أهالي حلبجة الذين نزحوا إلى إيران بعد القصف الكيماوي على مدينتهم، وبعد العفو العام الذي أصدره نظام البعث تم احتجازهم لأربعة أشهر و10 أيام في نقرة السلمان.

في حلبجة الشهيدة، التقيت بخمسة من شهود العيان هم سلمان وعمر ومحمد وعلي وصديق، وجميعهم تعرفوا على "الحجاج" عن قرب.

قبل عرض الصورتين عليهم، قاموا إضافة إلى تعامله القاسي، بوصف ملامح وهيئة "الحجاج" وكانت قريبة جداً من صاحب الصورتين، وحينما شاهدوا الصورتين قال كل منهم بشكل منفصل إن صاحب الشارب والوجه العريض هو "حجاج التكريتي" الجلاد الذي أذاق ضحايا الأنفال أقسى أنواع العذاب في نقرة السلمان

علي الموصلي 2021-08-14 11:30 AM

رد: سجن نقرة السلمان ذكريات ومآسي
 
سجن نقرة السلمان يقع في قضاء السلمان ويرتبط بطريق بري ترابي مع قضاء السماوة بحوالي (140 - 150كم) باتجاه الحدود السعودية وبناية سجن نقرة السلمان القديم هي (قلعة گلوب باشا) ، بناه القائد البريطاني كلوب باشا الذي عرف باسم (ابو حنيچ)عام 1927 م لغرض السيطرة على الحدود العراقية

https://scontent.fosm4-1.fna.fbcdn.n...3a&oe=613C67B2





https://scontent.fosm4-1.fna.fbcdn.n...cb&oe=613D3BAF


غلوب باشا

https://scontent.fosm4-1.fna.fbcdn.n...01&oe=613C3F44

علي الموصلي 2021-08-14 11:34 AM

رد: سجن نقرة السلمان ذكريات ومآسي
 
ملف النور عن الذاكرة العراقية / 1000 يوم في سجن نقرة السلمان


الحلقــة الأولــى

لمناسبة استحداث مؤسسة باسم مؤسسة السجناء السياسيين رأيت من المناسب أن اكتب ما تيسر مما تختزنه الذاكرة من وقائع للفترة العصيبة التي عاشها عراقيون ممن سجنوا في سجن نقرة السلمان بعد انقلاب 8 شباط عام 1963 ولا زالت حكاياتهم وقصصهم يتناقلوا ها الناس بعد مضي ما يقرب عن نصف قرن من الزمن ومما زاد من معاناتهم وإضافة جرح آخر على جراحاتهم هو عدم شمولهم بالامتيازات أسوة بغيرهم ممن اعتبروا سجناء سياسيين في الوقت الذي لم يرتكبوا أي جرم عدا كونهم قد اختلفوا بالرأي حول بناء الوطن وفي فترة احتدم فيه الصراع بين قوى الشر والظلام وبين قوى الخير والسلام .


http://www.alnoor.se/images/gallery/111/2/111(1).jpg
هذه واحدة من الحكايات على حلقات يرويها سجين سياسي واحد من آلاف السجناء الذين زج بهم في السجن ألآثاري والذي أطلق عليه سجن نقرة السلمان . إن لكل واحد منهم قصة تختلف عن الأخرى إلا أنهم يجتمعون على أمر واحد هو أن وقتا طويلا قد مضى على معاناتهم ولم يدر بخلد الذين بقوا أحياء بعد ذلك اليوم المشئوم والمشحون بالقسوة والخوف والموت إن طاحونة الانقلابين وحرسهم الأسود ستتركهم على قيد الحياة بعد أن أصدروا بحقهم بيان الإبادة الوحشي وتصفيتهم أينما وجدوا وبأي طريقة كانت .
لقد أصيب من كان في صف الجمهورية الأولى بالذهول من هول الصدمة والبطش وكثرة إراقة الدماء وان ما أثر في إحباط معنوياتهم أيضا وجعلهم لا يتحسبون لمثل ذلك اليوم المدمر هو ما تعرضوا له من ضغوط نفسية بسبب السياسات الخاطئة والمتذبذبة التي اتبعتها السلطة الوطنية آنذاك والصراعات العنيفة والغبية أحيانا بين قادة الأحزاب التي اختلفت بالعقيدة والأهداف فمنهم من سلك طريق العنف وإسقاط السلطة بالسلاح وآخرون فضل الطريق الديمقراطي والالتزام بالخط ألأممي المرسوم وفق النظرية والآيدولوجية الجاهزة إن الشعارات الرنانة والإسقاطات واللجوء إلى السلاح كان السبب المباشر للقضاء على أول جمهورية انبثقت على ارض الرافدين واغرق العراق بعدها في ظلام دامس استمر عقودا طويلة وكان أقساها زج آلاف العراقيين بالسجون ومن مختلف الشرائح الاجتماعية وبمختلف المستويات .
لقد سيق إلى سجن نقرة السلمان عدد كثير من هؤلاء سنأتي على ذكرهم وتفاصيل حياتهم في حلقات لاحقة ولأجل أن يطلع الرأي العام العالمي ومنظمات حقوق الإنسان التي لم تحرك ساكنا في وقتها ولم ترفع عقيرتها مثلما ترفعها اليوم أورد بعض عناوين السجناء السياسيين ، إنهم جمهرة من العمال البسطاء كالبنائيــن والنجاريــن والحداديــن وأصــحاب الحرف

المختلفة والفلاحين والمزارعين والكسبة الكادحين القسم الكبير منهم لا يجيد القراءة والكتابة ولا يملك شهادة دراسية إضافة لحملة الشهادات كطلاب المدارس على اختلاف المراحل وطلبة الكليات بجميع الاختصاصات إضافة لطلاب الكلية العسكرية وكلية الشرطة وعدد غفير من المعلمين والمدرسين والأساتذة من حملة شهادة الماجستير والدكتوراه وأطباء أخصائيين وجراحين كبار وعلماء في الفيزياء والكيمياء والفلك والأحياء المجهرية والقضاة والمحامين والفقه والدين وعلماء فضاء ومهندسين وفنانين تشكيلين وممثلين ومخرجين سينمائيين وموسيقيين ومغنين ومسرحيين وشعراء بالعامية والفصحى وفئة كبيرة من ضباط الجيش والشرطة بمختلف الرتب من ملازم ولغاية عميد ركن ومئات من الجنود وضباط الصف ومن مختلف الصنوف كان الوطن يعتمد عليهم لحماية أرضه وسمائه ومياهه تكونت خبرتهم عبر سنوات طويلة من التدريب والتمارين والخبرة .
إن الغاية من ذكر هذه التفاصيل هو من اجل إيضاح هول المصيبة والكارثة التي أحلت بالبلاد وإنني أتسأل هل هناك بلد آخر في العالم قضى على مثل هذه النخب والاختصاصات بمثل ما قام به الانقلابيون في العراق وبوقت قياسي قصير ، ومن أجل من كانت تنفذ تلك المهمة ؟
لم يكن سجن نقرة السلمان معروفا لدا غالبية الناس قبل الثامن من شباط 1963 وكان صيته يقتصر على مجموعة من أبناء الشعب ربطتهم به انتماءهم الفكري كالشيوعيين والديمقراطيين ومن الذين تعتقد الحكومة بأنهم يشكلون خطرا عليها .
لقد صمم هذا السجن سابقا والذي أمر ببنائه الجنرال الانجليزي (كلوب باشا) والغرض منه صد غزوات البدو والوهابيين على المنطقة الغربية من العراق واستخدم كقلعة عسكرية حصينة لثلة من شرطة البادية (الهجانة) الذين يستخدمون الإبل في ترحالهم ، لقد استخدمت هذه القلعة بعد ذلك سجنا أطلق عليه سجن نقرة السلمان ، إن تسميته بالنقرة لوقوعه في منطقة منخفضة من الصحراء الغربية والمحاذية للحدود السعودية وبالتحديد غرب السماوة ، والمنطقة لا ماء فيها
ولا شجر عدا وحوش الصحراء وضباعها وأعداد من البدو سكنوا قرية سميت بعد ذلك بناحية السلمان.

لقد وجدت الحكومة الملكية إن أنسب مكان لإبعاد الفئة التي تشكل خطراً على سياستها وعلاقتها بالأجنبي واستمرارها بالحكم بالطريقة المرسومة لها وذلك بتغييب المعارضين لها في هذه النقرة لكي لا تراهم ولا تسمع بهم ، ولقد اعتقدت بأن حجز الإنسان وحجره في مكان نائي ومظلم سينهي ذكره إلى الأبد ولم يرد بخلدها إن الأفكار النيرة والإنسانية تنبت كالنبات وأنها الحافز والمحرك لمشاعر الجماهير الغفيرة والمسحوقة من الفقراء والمعدمين حيث كان العراق يعج بهم آن ذاك وأن أفكار من زج بهم بمثل هذه السجون تنبعث من الظلمات لتكون دافعاً للإنعتاق من التسلط والطغيان وقد كانت أخبار السجناء السياسيين في نقرة السلمان ومنذ عام 1948 تنتقل من تحت الأرض وأقبية السجن لتنتشر بين الشعب المتعطش للخلاص .
لم تكن ثورة الشعب العراقي في الرابع عشر من تموز من العام 1958 إلا نتاج لتلك الأفكار وتلاحم قوة الشعب الوطنية المتمثلة بجبهة الاتحاد الوطني وتنظيمات الضباط الأحرار وبرنامجها الواضح وهو إقامة الجمهورية العراقية الديمقراطية الشعبية . إن ما يؤسف له إن هذه القوى كان لزام عليها أن تبقى متحدة من أجل الحفاظ على هذه الجمهورية الفتية والدفاع عن مكتسباتها ضد حبائل المغرضين والأعداء الطامعين إلا أنها وقعت في شرك الصراعات والتطاحن من أجل مصالح حزبية ضيقة وأهداف ومخططات مشبوهة مرسومة خارج الحدود ، وكان نتيجة هذه المعارك الجانبية والصراعات بين الأخوة الأعداء أن خسر الشعب خيرة أبنائه المخلصين ليكونوا حطباً ووقوداً لهذه الدوامة المحزنة وليكون سجن نقرة السلمان سيئ الصيت مكاناً ومستقراً لاحتجاز ذوي الأهداف والآراء المتصارعة مما دفع السلطة الوطنية بإصدار الأحكام القاسية التي وصلت أحياناً إلى الإعدام والحجز دون محاكمة ، وعلى هذا الأساس رحل إلى سجن نقرة السلمان في العهد الجمهوري ( الزاهر ) العديد من السياسيين وبتهم مختلفة ومن هؤلاء الذين يجدر ذكرهم قادة من الحزب الشيوعي العراقي أمثال (حمزة سلمان ومحمد حسين أبو العيس ومهدي حميد) ومجموعة أخرى من أبناء الموصل والبصرة وغيرهم عديد ون ، إلا أن الأسوأ من ذلك هو إرسال مجموعة من الأحداث من طلاب المدارس المتوسطة لا تتجاوز أعمارهم الخامسة عشر والمتهمون بتوزيع منشورات تدعوا للسلم في كوردستان ، إن هؤلاء السجناء الذين زج بهم في سجن نقرة السلمان في العهد الجمهوري وقبل انقلاب الثامن من شباط عام 1963 لم ترتفع الأصوات أو تخرج المظاهرات في حينها لتطالب بإطلاق سراحهم أو معاملتهم بما يليق بهم كسجناء الرأي والفكر ولم تبادر أي منظمة أو جهة قانونية محلية أو دولية للدفاع عنهم ، وبسبب هذه السياسة الخاطئة التي ارتكبها الحكم الوطني تمكن الإنقلابيون من اقتناص هؤلاء المحكومين والمحتجزين في سجن نقرة السلمان مما جعلهم لقمة سائغة لشهيتهم المتوحشة فسارعوا بإرسال المحكومين منهم إلى ساحات الإعدام وإعدامهم دون أي محاكمة جديدة كما أصدروا الأحكام الجائرة بحق طلبة المدارس المتوسطة فوصلت أحكامهم إلى عشرات السنين أمثال الشاعر(خالد الخشان) والشاعر(معين النهر) والذي التحق بعد خروجه من السجن إلى الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ثم يقتل على أيدي رجال أمن سلطة 8 شباط خلال زيارته لبيت أخته الشاعرة والسياسية (حياة النهر) وأمام نظرها فصدق شاعر العرب الأكبر الجواهري حين قال :
لثورة الفكر تأريخ يحدثنا بأن ( ألف ألف ) مسيح دونها صلبت


1000يوم في سجن نقرة السلمان

قضى المعتقلون بعد انقلاب 8 شباط 1963 شتاء ذلك العام في معتقلات عديدة وعلى امتداد مدن العراق وقد حشر الكثير منهم في غرف وزنازين ضيقة وقاعات مزرية ضمت الواحدة منها أضعاف ما تستوعبه من البشر أو الحيوانات فتجاوز عددهم في بعضها العشرات بل المئات ، غرف مساحتها لا تتعدى ثلاثة أمتار في ستة أمتار ومنها على سبيل المثال غرف السجن العسكري الرقم ( 1 ) حيث بلغ عدد المعتقلين في كل غرفة من غرفه المصممة لاستيعاب أربعة سجناء ما يزيد على ثلاثين أو أكثر من المعتقلين ، أمضوا فيها أشهر الشتاء وبعض من أشهر الصيف وتحت ظروف قاسية وغير إنسانية ، فأي كارثة تلك التي أحلت بالعراق وأهله ومن هو المسؤول وراء القضاء على هذا الكم الهائل من مقومات المجتمع ، إن هؤلاء الذين اعتقلوا في تلك الفترة هم نتاج سنوات عديدة من التربية والتنشئة البيتية والمدرسية والمؤسساتية واكتساب الخبرات والإبداع والإنجازات الوطنية فإذا بهم وخلال ساعات يتحولون لأناس لا حول لهم ولا قابلية على الاحتجاج أو رفضهم سلب امتيازاتهم وحقوقهم المشروعة . إن من ينظر إلى تلك الظاهرة التي حلت بالعراق خلال تلك الحقبة يدرك تماماً صحة ما ذهب إليه القائلون بأن البناء والتعمير يستغرقان وقتاً طويلاً بينما الهدم والتدمير
لا يحتاجان إلى عمل شاق أو وقت طويل ، وعلى هذا الأساس فقد تم لقوة الهدم والتدمير والخراب أن تزلزل بساعات ما بناه المجمع خلال نصف قرن من الزمن وبوقت قياسي تم فيه تحويل كل من وقع بقبضته مجرد كائن محبط ينزوي في قفص الاتهام وغياهب السجون البدائية .

تحركت هذه المجاميع المغلولة والمتهمة والتي لا تعرف مسبباتها ولم يخطر ببالها يوماً بأنها كانت على خطأ أو تمارس عملاً إجرامياً يحاسب عليه القانون ، فكل ما توصلت إليه لاحقاً بأنها قد اختلفت فكرياً خلال الممارسة الوطنية وتنفيذ الواجب الذي رسم لها من قبل السلطة وتأثيرات القوى السياسية المنضوية تحتها ، لقد سنحت الفرصة لكل معتقل بالهرب والخلاص منذ الوهلة الأولى ، إلا أن جميعهم قد أصيب بما يشبه الجلطة الدماغية أو الشلل النصفي من تأثير
حالة الخوف من المجهول الذي كان يلاحقهم دوماً من جراء السياسات الخاطئة والإيحاء بوجود مؤامرة مستمرة دوماً عالقة فوق رؤوسهم تحمل بين طياتها الموت أو على أقل تقدير السجن والسقوط في هاوية التردي الغامضة ، وإلا فكيف اندفع هذا الحشد من الناس وعلى اختلاف مشاربهم ليدخلوا تلك السجون والمعتقلات صاغرين وخائفين وتحت أي مخدر كانوا يرزحون ؟ لدرجة جعلتهم مسلوبي الإرادة ، وبالرغم من هذه الصدمة أنهم استفاقوا بعد فوات الأوان ليجدوا أنفسهم في لائحة يطلق عليها السجناء السياسيين ، وبالرغم من ذلك فإن البعض منهم لا يفقه ألف باء السياسة ولا يدرك بأنها فن الممكنات ، ومن هذا الواقع المؤلم ترك هؤلاء السجناء مساكنهم ومكاتبهم وأماكن عملهم ليتجهوا إلى مقبرة السلمان المحصنة يلاقون فيها مصيرهم تلك المقبرة التي لا يتمكن أي إنسان كائن من كان سواء أكان من الأهل أو الأقارب أو الأصدقاء أن يكون صورة واضحة عما كان يجري هناك والكيفية التي كانوا عليها في ذلك الزمن وكيف تمضي أيامهم بنهاراتها ولياليها الطويلة فلا غرابة من أن نقول أن كل ساعة من الوقت تمضي هناك تعادل يوماً واحداً وأن كل يوم يعادل سنةً من يعدون ومنه سيكون الألف يوم يعادل ألف عام وسنحاول أن نقرب هذه الصورة قدر الإمكان للتعرف على هذه الدراما البشرية ، لقد كان أقرب بيت من بيوتات السجناء لا يقل عن
( 150 كم ) عن سجن نقرة السلمان المنغرس في النقرة الصحراوية وإن أبعد بيت من بيوت الآخرين لا يقل عن ( 500 - 1000 كم ) وتفصل هذه البيوت عن السجن مسطحات رملية و وهاد غير مرئية ومفاجئة لا أثر للطرق السالكة فيها ، وكل ما يمكن معرفته للوصول إلى هذه القلعة الحجرية والغامضة هو الاعتماد على ( الرحالة ) ممن سلك هذه المفازات لمرات متكررة وممن يتمكن من اختراق تلك الأرض الخالية والصماء بحدسه وفراسته .

إنني سأبذل الجهد لكي أنتزع من ذاكرتي ما عايشته وما شاهدته عن ذلك المكان والذي أمضيت فيه تلك الفترة من العمر والتي أشرت إليها سابقاً.
وأنني أستميح العذر من الذين سوف لن أذكر أسمائهم لأن ذلك متروك لهم وليحاولوا
تدوين ما يمتلكون من ذكريات بالاستفادة منها ومن جميع تفاصيلها المرة لتلك المرحلة
ولتكن سجلاً ومرجعاً للأجيال الحاضرة واللاحقة ليتعرفوا من خلالها على ظلم الإنسان لأخيه الإنسان وليأخذوا منها العبر . إن من يحاول أن يدون أحداث مرحلة أو حقبة مضت وكان شاهداً عليها وعاش تفاصيلها يجب عليه أن يعلم بأنه ماثل أمام جميع الناس يصغون لأقواله وأن أي معلومة أو أي شاردة أو واردة من أقواله لها من يؤكدها أو يدحضها أو يكذبها أو يسفهها وخاصة عندما يتعلق الأمر بأحداث جسام طالت المجتمع بأكمله وأصبحت جزءاً من تاريخه .

إن من الصعوبة بمكان أن يدون الإنسان سيرته الذاتية بتجرد وأن يتخلص من ( الأنا ) المسيطرة عليه ، إن مشاركة الآخرين لوجدانهم أمر مهم في سرد الأحداث كما يتحتم عليه أن يدون تسلسلها والتي مرت بذلك السجن ومن منظور المشاهد والشاهد على تلك الحقبة التي عاشها وأن ينقل تفاصيل ما دار فيها دون مبالغة أو تزويق أو تزييف وأن لا يستخدم الأسلوب الشاعري أو الرومانسي . إن ما سأتطرق إليه هو الحقيقة الواضحة التي يمكنني أن أشبهها بالكائن الحي الذي يمشي على قدميه بين الناس ، وبعكسه ستكون الحقيقة في حالة تزييفها كمن يمشي على رأسه مما يثير السخرية والاستغراب والاستهزاء .
إن مزيفي التاريخ لا يختلفون عن مزيفي النقود فسرعان ما ينكشف أمرهم وينالهم العقاب ويقذف بهم التاريخ إلى مستنقعه الآسن ، وما دمنا بصدد نقل الوقائع التي جرت أحداثها في سجن نقرة السلمان الصحراوي النائي الرهيب فإن الواجب يحتم على نقل الصورة الحقيقية لذلك السجن وحياة السجناء فيه في تلك الفترة العصيبة التي مرت على العراق وأنني سوف لن أعتمد على مصادر أو مدونات ومقالات وأحاديث دارت حولها بين الناس بل سأذكر ما تختزنه ذاكرتي التي ضلت تحتفظ بمجرياتها لحد الآن .
إنني الآن في الرابعة والسبعين من العمر وكنت حينها في التاسعة والعشرين ، فلكم أن تتصوروا كم من الوقت قد مضى على ذلك الزمن الموسوم بانتهاك حقوق الإنسان والذي ابتدأ بالنسبة لي منذ اعتقالي وإرسالي إلى السجن العسكري الرقم ( 1 ) وما جرى فيه من قسوة وخوف وتعذيب لدرجة يتوقع فيها الإنسان أن تطلق على رأسه رصاصة في أي لحظة لتنهي كل معاناته والتي ابتدأت بمهزلة أخرى وهي في يوم إرسالي مع ثلاثة من زملائي إلى المجلس العرفي العسكري الاول دون سابق معرفة أو إخباري عن المكان الذي سأرسل إليه فقد جرت العادة أن يتنقل الشخص المعتقل من مكان لآخر ومن لجنة تحقيقيه إلى لجنة تختلف سلوك هيئتها عن الأخرى بالشراسة والأسلوب .
لقد أخرجنا نحن الأربعة أنا والنقيب ( عبد الله علي ) والملازم الأول ( محمد مجيد بحر ) والملازم الأول ( عبد الملك عبود ) من غرفنا المتعددة لنحشر في سيارة ( بوكس ) مغلقة
لا يمكن التطلع من خلالها لمعرفة الجهة التي يراد إرسالنا لها ، وكل ما كنا نشعر به هو أن السيارة تسير بنا والوقت يمضي دون سابق معرفة ، توقفت السيارة وفتح بابها الخلفي ليطلب منا الترجل إلى مكان مجهول كنا نعتقد بأنه مخصص للجنة تحقيقيه أخرى دعينا للمثول أمامها ، وهنا سوف أنقلكم إلى أغرب وأسرع محاكمة جرت على أرض وادي الرافدين الذي شرعت فيه أول القوانين منذ بزوغ فجر السلالات ، لم نكن نعرف أو نعتقد بأن أسباب نقلنا من زنزاناتنا في السجن العسكري رقم ( 1 )هو من أجل المحكمة وبعد أن أمضينا العديد من جلسات التحقيق التي تتخللها أحدث المبتكرات في أساليب التعذيب والاستهانة بقيم الأرض والسماء لا يتعامل بها أو يمارسها وحوش الغاب عندما تحتدم الصراعات والمعارك بينهم ، فهل سمعتم أو رأيتم أن أسداً قد كبل فريسته وعلقها بأعلى الشجرة وبدأ بتعذيبها بالسياط ؟ أو أنكم شاهدتم حيواناً مفترساً يتبول أو يتغوط في فم فريسته ثم يلقي بها في قعر مظلمة ويمنع عنها الماء والطعام كي تخضع له وتنصاع لإرادته ثم يمزقها أو يواريها التراب وهي على قيد الحياة ؟ . إن غريزة الإنسان أكثر تطورا من غريزة الحيوان الوحشي لأن غريزة الجلاد والمحقق الذي أوكلت له مهمة انتزاع الاعترافات بالقوة المفرطة يتفنن بإشباع غريزته فتجده ينتشي بكأس من الخمر ثم يغني ويلتهم وجبة دسمة من الغذاء خلال قيامه بالتحقيق أو تنفيذ الإعدامات الفورية ، وسنتعرف في الحلقة القادمة على أسرع وأغرب محكمة جرت في تاريخ البشرية على أرض العراق .!

علي الموصلي 2021-08-14 11:53 AM

رد: سجن نقرة السلمان ذكريات ومآسي
 

علي الموصلي 2021-08-14 11:55 AM

رد: سجن نقرة السلمان ذكريات ومآسي
 
نقـــــرة السلمــــــان

http://www.alhakikanews.com/thumbnai...article_medium
من أبو حنيج ، مرورا بشرطة نوري السعيد وسعيد قزاز، وعبر أجهزة أمن الجمهورية الأولى، وصولا لعهد الأخوين عارف، وقبلهما تشكيلات الحرس اللاقومي في 8 شباط الأسود، وأخيرا نظام البعث الفاشي في عودته الثانية العام 1968..
الكاتب علي عبد الكريم حسون

كل هذه العهود التي حكمت العراق منذ تأسيس الدولة العراقية في آب 1921 ، كان لها هذا السجن الرهيب سردابا ومستودعا، ترسل له خيرة أبناء هذا البلد. ترى ما الذي يميز هذا السجن القلعة عن باقي السجون ، والتي أحصي منها لغاية آذار 1991 ( 72 ) سجنا موزعة على محافظات: بغداد ( 18 ) سجنا. بابل ( 4 ) . ديالى ( 3 ). المثنى ( 3 ). النجف ( 2 ). كربلاء ( 5 ). نينوى ( 4 ) ميسان ( 3 ) البصرة ( 7 ) صلاح الدين ( 5 ) السليمانية ( 4 ) ذي قار ( 2 ) واسط ( 3 ) القادسية ( 2 ) التأميم ( 2 ) أربيل ( 3 ) الأنبار ( 1 ) دهوك ( 1). وبعد إنتفاضة آذار 1991 تم إكتشاف سجون ومعتقلات تحت أرض بنايات المعاهد الدراسية والجامعية، والعمارات التجارية والمؤسسات الحكومية، وتحت أرض بنايات مديريات الأمن، وقرب المستشفيات والقواعد الجوية ومعسكرات الجيش، وقرب كراجات النقل العمومية وتحت الملاجئ والمتنزهات. وماتزال الذاكرة العراقية طرية وخازنة لمآثر الشيوعيين في فترة الأربعينيات والخمسينيات والستينيات في سجون: بغداد المركزي والكوت والحلة وبعقوبة، وبقية سجون الأجهزة القمعية، كسجون الخيالة في ألوية/ محافظات العراق كالرمادي والناصرية، وعن معتقل ملعب الأدارة المحلية ببغداد، والنادي الأولمبي في الأعظمية، وكذلك معتقل قصر النهاية ببغداد الذي أتخذه البعث وحلفاؤه بعد 8 شباط 1963 سجنا للشيوعيين، ثم عادوا اليه بعد 1968.
البداية كانت على يد جنرال أنكليزي
----------------------
( أبو حنيج ) دلالة على طول وجهه من جهة الحنك، هو اللقب الذي أطلقه أهل العراق على السير جون باغوت غلوب باشا ( 1879 – 1986) . قائد الفيلق الأنكليزي المرابط في الأردن والعراق. حيث تم بناء قلعتين، واحدة في الأردن والأخرى في العراق، وفي منطقة البادية بإتجاه أراضي نجد والحجاز، كمخافر حدودية متقدمة لصد هجمات البدو القادمين من شمال شبه الجزيرة العربية ، وكمواقع متقدمة للجيش البريطاني . وكان ذلك العام 1928 .
أصل التسمية
----------------------
السلمان من السلم والسلامة، وسميت على إسم سليمان الحميري مبعوث النعمان بن المنذر لتأمين الطرق من هجمات البدو . وفيها على مايعتقد، قبر أحد أجداد النبي محمد. أما إلحاق صفة النقرة على المنطقة ليكون إسمها: ( نقرة السلمان ) ، فلوقوعها في منخفض من الأرض المجاورة له، بحدود 20 مترا. هي الآن قضاء تابع لمحافظة المثنى. وتبعد عن مدينة السماوة حوالي ( 150 كلم ) والأخيرة تبعد عن بغداد ( 250 كلم ).
منذ أربعينيات القرن الماضي، عملت سلطات العهد الملكي على نفي وأعتقال وسجن الوطنيين واليساريين والسياسيين العراقيين، لهذا المعتقل النائي في عمق الصحراء، بعيدا عن حواضر المدن ومراكز التلاقح الثقافي والفكري والسياسي، فكانت الوجبات الأولى تضم شيوخ العشائر من الفرات الأوسط والأنبار وكردستان، وما أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها حتى كشرت حكومة نوري السعيد عن أنيابها، لترسل قافلة من قادة الحزب الشيوعي العراقي ويسارييه، وكان عددهم يربو على (200 ) منهم الشهيد سلام عادل وزكي خيري وعزيز الحاج وكاظم فرهود وكامل قزانجي وعبد الوهاب الرحبي وعبد السلام الناصري وحميد عثمان وزاهد محمد وحسقيل قوجمان وسالم عبيد النعمان علي شكر وغيرهم.
يمضي التأريخ ليسرد لنا تفاصيل محطات إستهوت فاشيي العهود القمعية، فبنوا قلعة أخرى لتتسع لآلاف الوطنيين . أحصى منهم جاسم المطير في كتابه المميز ( نقرة السلمان ) أكثر من 4000 سجين، زمن حقبة البعث الأولى في 1963 . حيث وجدوا السجن يغص بالشيوعيين، فأخذوا الشهيدين: عضو اللجنة المركزية ( حمزة سلمان ) والرفيق الضابط الشيوعي مهدي حميد لينفذ بهما حكم الأعدام. ولم يكن عهد العارفين الأول والثاني بأفضل ممن سبقهما في الأبقاء على النقرة، التي لم تعد تستوعب أعداد المناضلين، فكان سجنا الحلة وبعقوبة المركزي، مكانين مفضلين لسلطة البعث. وكذلك معتقل قصر النهاية، حيث أكمل الجزار ناظم كزار ومكتب حنين للعلاقات العامة برئاسة المقبور صدام على خيرة المناضلين، تاركين دعاية سمجة بإلغاء سجن نقرة السلمان. ولكن فترة الثمانينيات، شهدت إرسال الألوف من أبناء شعبنا من الكرد الفيلية، وخاصة الشباب منهم، ليقضوا في هذا المعتقل المنفى. ومن ثم عوائل المؤنفلين الأكراد ليدفنوا أحياء أو بعد تصفيتهم في هذه البقاع. وما قصة تيمور ، الطفل الكردي بأعوامه العشرة والذي نجا بإعجوبة من القتل الذي طال جميع من كان بالقافلة التي أقلت العوائل الكردية ، بعد أن إحتضنته والدته ، ليكمل ( الشفل ) دفنهم جميعا، وليخرج بعد ساعات مصابا بإطلاقة في كتفه ، لتحتضنه عجوز من بادية السماوة.
السجون مدارس...
----------------------
منذ زمن (فهد)، تحولت قاعات وقواويش السجون إلى مدارس حقيقية، بمفهومها الأولي (محو الأمية وتعلم القراءة والكتابة) وبمفهومها التثقيفي الفكري كمدارس حزبية، يدرس فيها النزلاء: أصول الفلسفة الماركسية والأقتصاد السياسي وتأريخ الحزب الشيوعي والحركة العمالية والحركة الثورية العالمية. ويحاضر فيها من النزلاء الذين يمتلكون ناصية اللغات الأجنبية وكذلك المتمكنون منهم، وخاصة ممن إجتازوا وتخرجوا من المدارس الحزبية في الأتحاد السوفيتي وبقية دول المعسكر الأشتراكي السابق. وكانت زنازين وقواويش السجون لاتحوي الأسلحة والسكاكين، بل الكتب السياسية والأدبية والروايات ونفائس التراث العالمي .
يورد المطير في كتابه ( نقرة السلمان ) بأن سروره كان عظيماً كما لوكان قد فاز ببطاقة يانصيب، عندما عثر على كتاب من كتب غوغول في سجن النقرة يتداوله المساجين، فأخذ (معطف غوغول) من تحت مخدة عبد الوهاب طاهر، ومن سجين آخر كتاب المفتش العام. وعن ألمه الذي لايوصف وهو يستلم خبر حرق الحرس اللاقومي كتبه في البصرة التي خبأها بحفرة في حديقة البيت، حيث أباحوا لأنفسهم حرقها في آيار 1963 تحت نظره ونظر جميع المعتقلين في مقر الحرس القومي بمبنى نادي الأتحاد الرياضي بالعشار، وقد آلمه منظر الحريق الذي أستمر ثلاثة أيام .
يوم السجين الشيوعي
----------------------
يورد السجين عبد القادر أحمد العيداني في كتابه الموسوم (من أعماق السجون، نقرة السلمان... قيود تحطمت) تفاصيل الحياة اليومية لسجناء نقرة السلمان:
أنها تبدأ في الساعة الرابعة فجرا، يمارس التمارين الرياضية المعتقل صادق جعفر الفلاحي، ومن ثم ينهض خفراء المطبخ لأعداد الفطور، وبأشراف الشهيد هندال جادر يجري توزيع الخبز . و الشيء نفسه في وجبتي الغذاء والعشاء، ومن ثم وفي الساعة الثامنة مساء يجري التعداد اليومي للسجناء. بعدها يجري الأستماع لنشرة الأخبار اليومية وتوجيهات المنظمة الحزبية.
كم كان للأطباء دورهم في علاج السجناء، وأحيانا علاج ولادة متعسرة لأحدى نساء القرية . وكان للدكتور رافد صبحي أديب مآثر في إجراء عملية الزائدة الدودية بدون بنج، وكذلك الجهد المتميز للدكتور الفنان قتيبة الشيخ نوري ودكتور الأسنان فاضل الطائي والدكتور سالم سفر . ويستمر يوم السجناء ليزاولوا مهنهم الأصلية، لجعل حياة السجين الشيوعي متيسرة بمطالبها البسيطة ، فهناك ورشة لتصليح الترانسستر والسمكرة والخياطة .
ولعب السجين يحيى ( ق ) بطريقته المشهورة لمكافحة الأمية لدى الكبار، دورا متميزا جعلت الكثير من السجناء الأميين يقرأون ويكتبون ويراسلون أهلهم، وقسم منهم أخذ يذهب لصفوف تعلم اللغات ولمكتبة السجن، حيث تجري في قاعتها المناقشات السياسية والثقافية والأدبية، ساعد على ذلك وجود النخبة الطيبة والمثقفة والأدبية، من شعراء كالفريد سمعان وسعدي يوسف ومظفر النواب ودينار السامرائي، وأدباء ومثقفين وفنانين كفاضل ثامر ومحمد الجزائري وجمعة اللامي..

قطار الموت.. أرادوا شيئا، وأرادت قدرة الصمود شيئا آخر..
ماكاد فجر الرابع من تموز 1963 ينبلج، إلا وكانت القافلة المكونة من ( 520 ) مناضلا شيوعيا، قد تمّ ( شحنها ) في 15 عربة قطار بعد أن طليت بالقار والزفت، وأحكم أغلاقها من الخارج، للآنطلاق بها من المحطة العالمية للسكك الحديد في علاوي الحلة، بإتجاه السماوة لتقطع أكثر من 250 كلم بسرعة بطيئة، كان لها كما خطط منفذوها أن تستغرق 16 ساعة على الأقل ، ليتكفل القير والزفت وحرارة تموز اللاهب وقلة الأوكسجين في عربات هي في الأصل لنقل المواشي والبضائع أن تقضي على هذه الثلة الطيبة من العسكريين والمدنيين والأدباء والمثقفين، إنتقاما منهم على فشل حركة ضابط الصف الشجاع حسن سريع، الذي كان يروم مع رفاقه إطلاق سراحهم من سجن رقم واحد في معسكر الرشيد ومن ثم القضاء على حكم الفاشيست، وذلك في يوم 3 تموز 1963 بعد أقل من 5 أشهر على إنقلابهم الأسود.
كان الأتجاه العام في مايسمى بمجلس قيادة الثورة والقيادة القطرية لحزب البعث والحرس القومي، هو إعدامهم جميعا. ولكن تفتق البعض منهم عن خطة جهنمية تتمثل بإرسالهم إلى سجن نقرة السلمان الرهيب في عمق صحراء البادية الغربية بعربات القطار المغلقة ، ليتكفل الأهمال والتقصير وفقدان سوائل الجسم والسرعة البطيئة بالقضاء عليهم ، قبل الوصول للنقرة التي ما إستطاع أي سجين الهرب منها حيا.
يحلو للمجرم والفاشي التلذذ بمنظر ضحيته، فعلى رصيف محطة القطار كانت قيادتهم موجودة ممثلة بعبد السلام عارف وطاهر يحيى ورشيد مصلح وأحمد حسن البكر ومصطفى الفكيكي، ليشرفوا على صعود ضحاياهم وهم مكبلو الأيدي مشدودوا الوثاق. ولتكون التعليمات حازمة وواضحة لسائق القطار عبد عباس المفرجي بأن لايتوقف في أية محطة وأن يسير بسرعة بطيئة جدا. ولكن بعد أن قطع أكثر من 140 كلم، توقف في محطة الهاشمية التابعة للحلة، ليصعد إليه شخص مجهول ويهمس له: ( خالي تعرف أن حمولتك ليست حديدا بل بشر هم من أفضل أبناء شعبنا ) . ساورت الشكوك للمفرجي وليقطع الشك باليقين، طلب من مساعده ( الفايرمان ) أن يتأكد له من صحة الخبر ليعود له مسرعا وهويقول: ( حجي طلع الحجي صدك)
لم يكن أمام المفرجي إلا الأنطلاق بسرعة قصوى بإتجاه محطة السماوة ، مختصرا سويعات كان لها فعل السحر بإنقاذ الركاب . وكانت المفاجأة مذهلة على رصيف المحطة التي تجمع عليه أبناء السماوة الطيبين وهم يحملون الماء والثلج والعصائر للركاب الذين ما أن فتحت أبواب العربات لهم، إلا تهاووا وهم بين الحياة والموت، وليصرخ الطبيب السجين رافد صبحي طالبا عدم شرب الماء، إلا بعد إذابة الملح فيه. وكان له ما أراد ليسترد السجناء وعيهم، وليكمل الأهالي الطيبين مبادرتهم بتسيير شاحنة تنقل المواد الغذائية ولترافقهم لسجن نقرة السلمان.
----------------------
الهوامش:

مثال عن معتقلات النظام البعثي تحت الأرض:
* تحت بناية المعهد الفني في البصرة وتحت عمارة النقيب، وتحت شركة النقل مقابل كلية الأدارة والأقتصاد ، وتحت شركة الموانئ قرب سيطرة القادسية / كرمة علي ، وسجنان سريان في قضاء القرنة ، وجميعها في البصرة .
* تحت السوق المركزي في النجف ، وتحت مقبرة وادي السلام قرب دائرة استعلامات ، وتحت مديرية أمن النجف.
* تحت مديرية أمن السماوة .
* تحت الأرض في حدود معمل الزجاج في الرمادي، وكذلك معتقل في مدينة هيت، ومعتقلان في صحراء الرمادي ( h2 وh3 ).
* تحت قصر العاشق في سامراء .
* قرب مستشفى الجذام / البتيرة ، وفي محلة الماجدية بالعمارة .
* خلف السدة ، وفي شارع النهر، وفي مدينة الشعلة والكاظمية، وملجأ حي العامل وتحت متنزه الزوراء ، وسجن الأدلة الجنائية / قرب كلية صدام للعلوم السياسية، وجميعها ببغداد.
* قرب مديرية أمن الناصرية، وقرب كراج بغداد في الناصرية أيضا.
أسماء البعض من ركاب قطار الموت:
----------------------
* الضباط : العقيد إبراهيم حسن الجبوري، العقيد حسن عبود، العقيد سلمان عبد الحميد الحصان، المقدم عدنان الخيال ، المهندس الضابط عبد القادر الشيخ ، الرئيس صلاح الدين رؤوف ، الضابط يحيى نادر ، والضابط محمود جعفر الجلبي ، والضابط لطفي طاهر والضباط الأطباء رافد صبحي وعبد السلام بلطة ، والضباط الطيارين عبد النبي جميل وحسين علي
* المدنيون: مكرم الطالباني، عزيز الشيخ محمود، عبد الوهاب الرحبي ، كريم الحكيم، الدكتور أحمد البامرني وفاضل الطائي وعبد الصمد نعمان، علي حسين رشيد، جميل منير العاني، شاكر القيسي ، حامد الخطيب وعلي إبراهيم.






علي الموصلي 2021-08-14 12:02 PM

رد: سجن نقرة السلمان ذكريات ومآسي
 
سجن نقرة السلمان أول جمهورية شيوعية حرّة في عمق الصحراء

نبيل عبد الأمير الربيعي
https://www.almothaqaf.com/images/AB...سلمان.jpg

سجن نقرة السلمان أحد أقدم السجون في العراق يقع في محافظة المثنى في مدينة السماوة ناحية السلمان في منطقة صحراوية بدوية بالقرب من الحدود العراقية السعودية...أسس السجن من قبل القوات الإنكليزية المحتلة في عشرينيات القرن الماضي، لكون المنطقة نائية وهي منفى في ذلك الوقت حيث اختار الإنكليز منخفض السلمان أو ما يعرف بنقرة السلمان، لتكون مقرا لهذا السجن علما ان هنالك سجنين في نقرة السلمان أولها هو السجن الذي بناه الإنكليز والذي نتحدث عنه والآخر بني على أحد تلال السلمان في ستينيات القرن الماضي من قبل الحكومة العراقية، وهو أكبر من سابقه بكثير.
نقرة السلمان يعتبر واحد من اشرس السجون التي عرفها تاريخ العراق لذا كان دائما يتم ترحيل المثقفين والسياسيين الذي يعارضون الدولة وخاصة أولئك المنتمين لـ الحزب الشيوعي العراقي. وقد أصبح السجن رمزاً للنضال فكتب عنه الشاعر العراقي الكبير الراحل كاظم إسماعيل الگاطع وقتها قصيدة لا تزال متداولة إلى الآن على لسان ام قادمة لزيارة ولدها الشيوعي السجين هناك وتصف القصيدة بتصوير مميز مدى صعوبة الأوضاع في ذلك السجن.
صدر عن دار المكتبة الاهلية في البصرة للكاتب والباحث والأديب جاسم المطير كتابه الموسوم (نقرة السلمان) بـ (557) صفحة من الحجم الوزيري ذات الطباعة الجيدة، اهدى الكاتب الكتاب إلى سجناء نقرة السلمان ورفاقه العاملين في المنظمة الحزبية وفي الهيئة الادارية داخل السجن وإلى كل من سامي احمد العامري وعبد الوهاب طاهر وناصيف الحجاج وخضير عباس ومحمد الملا عبد الكريم ومحمد السعدي وعباس المظفر وسليم اسماعيل وكاظم فرهود وكنعان العزاوي وعباس بغدادي، الكتاب قسم إلى (50) موضوعاً و(7) ملاحق وكل ملحق هو عبارة عن رسالة، ولكل موضوع يذكر الكاتب حالة من حالات سجناء نقرة السلمان وواقعهم المرير، الكتاب عبارة عن مذكرات الباحث جاسم المطير في سجن نقرة السلمان ابان انقلاب 8 شباط 1963 والاطاحة بالجمهورية الاولى وزعيمها ومؤسسها عبد الكريم قاسم بدعم من القوى الاستعمارية والرجعية والاقطاعية، إذ يصف الكاتب حياة السجين الشيوعي وعلاقته مع إدارة السجن ورفاقه في السجن حاملي الفكر الشيوعي والماركسي، وقد احتوى الكتاب على مجموعة نادرة من صور السجناء والشهداء داخل سجن نقرة السلمان وخرجها.
المؤلف المطير من مواليد البصرة عام 1934، يقيم حالياً في هولندا، صدر له اكثر من (15) كتاباً بين رواية وقصة قصية وبحثاً ومذكرات وعشرات المقالات في الصحف والمواقع الالكترونية، الفَّ العديد من المسرحيات السياسية التي اخرجها الفنان توفيق البصري وكانت اولى مجموعته القصصية عام 1952، كما صدر له كتاباً يصف فيه حياة السجين في سجن الحلة المركزي، وفي عام 2010 صدر له كتاباً تحت عنوان مشاهدات في السينما العالمية من منشورات دار الفارابي/ بيروت.
أما هذا الكتاب (نقرة السلمان) فهو وثيقة تاريخية مهمة وثقها المطير من خلال مذكراته اليومية داخل السجن ليصف لنا حقيقة العلاقات الديمقراطية داخل مجتمع صغير اسمه السجن، التي تولدت داخل هذا السجن فكرة الحكم الذاتي من خلال مجلسه الذي يتألف من كل سجين وتحت شعار (كل سجين يخدم كل سجين)، فسجن نقرة السلمان تجاوز عدد نزلائه عام 1963 حوالي ثلاثة آلاف سجين ومحتجز بلا محاكمة، وقيل أن السجن ضم أكثر من أربعة آلاف سجين ومحتجز قبل عام 1963، لا يثبت عدد السجناء على رقم واحد فهو في حركة دائبة صعوداً ونزولاً، يدخله يومياً عشرات السجناء وينقل منه يومياص بالعشرات، السجن كما عبرَّ عنه الكاتب في ص29 قائلاً هو : (أول جمهورية شيوعية حرّة في عمق الصحراء تحاول ان تجرب المساواة والديمقراطية بعذاب مشترك واحد وبسعادة مشتركة محدودة بنفس الحدود لجميع مواطنيها).
سجن نقرة السلمان هو أول اسطورة من اساطير الديمقراطية في الظروف القاسية وتركيبتها الاجتماعية القاسية المتوفرة في النقرة، أراد الانقلابيون من وضع هذه الشريحة المثقفة في هذا السجن الصحراوي حقاً هو الانقطاع عن العالم، ولما يجري على أرض العراق وفي الكرة الارضية كلها، ومسح ذاكرة السجين الشيوعي وأن تكون ارادته عاجزة عن كل تخطيط من اجل مستقبل مغاير، فالسجانون لا يعرفون ان السجناء ارادوا ان يواصلوا اشادة حضارة لبلادهم متجددة بفعالية الافكار المتجددة، فالسجناء والسجانون يتقاسمون ازمات ونوائب العيش الصحراوي المرّ، فكان السجانون يبحثون ويجوبون الصحراء ليوفروا للسجناء أماكن آبار الماء العذب، ويخالفون أوامر الحكومة في اشياء أخرى منها : تزويدهم بالأقلام والأوراق والكتب الممنوعة والراديوات والمسجلات والصحف والمجلات، يقول المطير في ص34 (لا حضارة للسجناء من دون وسائل الاتصال بالعالم الخارجي)، كما أن مدير السجن نفسه والاداريين كانوا يتحاشون فرض قساوة السجان على السجين.
أشاد السجناء الشيوعيين أنفسهم بداخل السجن وبموجب تخطيط هندسي مدروس قام به بعض السجناء المهندسين ومن ذوي الخبرة مبانٍ عديدة، (المطبخ، المستوصف، قاعة صغيرة للاجتماعات الحزبية، مقراً لتحرير واستنساخ الجريدة اليومية التي يصدرها السجناء، الحمامات، ساحة نظامية لكرة القدم والسلة والطائرة، ساحة لكرة الريشة والمنضدة، ومكان مخصص لكمال الاجسام، صفوف دراسية، زراعة اليوكالبتوز في اطراف ساحات السجن لصد العواصف الرملية، هذه كلها تعتبر ظاهرة عمرانية في أول جمهورية شيوعية حرة.
كانت الطبابة المنتشرة في قاعات السجن هي الطريقة البدائية في التطبيب من خلال طب الاعشاب وبعض الروحانيات الذي يقوم به كاكه عمر، فضلاً عن ذهاب السجين لغرض مراجعة الطبيب في مستشفى الديوانية الجمهوري.
الحكام والحكومات يتصورون أن وجود السجين بين الجدران ينجز عملية تعقيل المتمردين ضدهم، لكنهم تناسوا أماني السجين في الحياة الحركة الكريمة، وطموحه في التعلم من خلال دروس العقل والعقلانية والبحث عن امكانية المواءمة بين الحق والحب، بين الحق والجمال، بين الحرية والصدق، بين العمق والصفاء، بين السجن والنضال، الكثير من السجناء العاشقين للأدب وضروب الشعر الشعبي تطورت قابليتهم في كتابة الشعر ومنهم "الشاعر والمغني سعدي الحديثي والشاعر مظفر النواب، والشاعر الغزلي الشعبي زهير الدجيلي، والشاعر والمحامي هاشم صاحب، والشاعر الفريد سمعان، وشعراء القصيدة الحسينية.
ان العقلانية المعززة بالخيال هي وحدها التي تستطيع أن تحول الحلم إلى نور يحتقر التزمت الذي لا مبرر له في علاقة الانسان بأخيه الانسان، فالسجين في أية لحظة ربما يواجه الموت غدراً كما هو حال سلام عادل وجمال الحيدري وابو سعيد وعدنان البراك وحمزة سلمان وآخرين.
الكتاب عبارة عن وثيقة تاريخية أرخت مرحلة وحقبة من تاريخ السجين الشيوعي والمنظمة الحزبية والصحافة الشيوعية في سجن نقرة السلمان، فسجن نقرة السلمان بعد تجربة تنظيمات الحزب ابان حقبة الجمهورية الاولى 1958 كان يغلي بالمناقشات والافكار السلبية والايجابية حول اسباب فشل الثورة والقضاء على منجزاتها بسبب تدخل العامل الخارجي العربي والاجنبي، والعامل الداخلي المتمثل بالإقطاع والرجعية ورجال الدين وحزب البعث العربي والقوميين العرب، فكانت آراء كثيرة تؤكد أن انتكاسة ثورة تموز 1958 مرجعها الاساسي هو الفعل الامريكي المحموم ضد الشيوعية في العراق وفي الوطن العربي وضد حركة التحرر الوطنية كلها.
وينقل لنا الكاتب جاسم المطير من خلال كتابه (نقرة السلمان) واقع حال السجين السياسي وواقع حال الصراع داخل السجن الذي اصبح العامل السياسي يتدخل في العلاقات بين صفوف السجناء وفي حياتهم ايضاً، اصبح هذا العامل مؤثراً في سيرة حياة كل سجين وفي مستقبله، وقد استغلت نفس العامل مجموعة من النفوس اليائسة في تبرير مواقفها الانهزامية أو التراجعية، كما تستغله نفوس أخرى لتبرير اخطائها، فقد تداخلت الخيوط مع بعضها، مما زاد أحياناً في تخبط وقلق وفوضى الكثير من الآراء المطروحة وهي حالات استثنائية، إلاّ أن السجين الشيوعي ظل على مبادئه وعلى احترام المجتمع لمواقفه الصلبة وتصرفه الهادئ العقلاني المتزن.

علي الموصلي 2021-08-15 09:55 AM

رد: سجن نقرة السلمان ذكريات ومآسي
 
طبعا الشيوعيين أنا لا أدافع عنهم ولا عن أفكارهم هم مموقتين من قبل الشعب العراقي بسبب أفكارهم الإلحادية وعدم اعترافهم لا بدين ولا برسول ولا بقرآن لكن لمجرد اهتمامي بالتاريخ لا أترك شاردة ولا واردة

الشاعرة حياة النهر : صلاح يموت والدنيا بعد كمرة

هذوله السجناء جماعة سجن الحلة أكثرهم شيوعيين

كما هنالك سجناء أيام قاسم كانوا معتقلين في نقرة السلمان جراء ثورة الشواف بالموصل تم اعدامهم وقسم هربوا كما يذكر المقال بالنسبة لسجن الحلة

وفي العراق كل حاكم له خصوم من يعارض حكمه عقوبته إما هروب خارج العراق أو إعدام أو سجون

http://www.alnoor.se/images/gallery/2014/9/8/13.jpg
قصة نفق سجن الحلة المركزي
( الحلقة الثالثة )


نعيم الزهيري
الفصـل الثانـي
الحريـــــــــــــــــــة هـــــــذه الكلمــــــــة الجميلــــــــــــــة


مااجملك ايتها الحرية ما أروع حروفك واعذبها لقد تغزك فيك الشاعر والاديب والسياسي ورسمك الفنان بأروع اللوحات، تغزل فيك الجميع كل حسب هواه، وكل يدعي وصلا بليلى او : وكل يبكي على ليلاه... قليلون هم من اتخذوا ومن استعملوا حروفك سيفا يسلط على رقاب الاكثرين لكنك تظلين حلوة حسناء ( ومن يخطب الحسناء لم يغلها المهر!) فمن اجلك تشرب السنون في السجون والمنافي، ومن اجلك تعتلى اعواد المشانق ومن اجلك يتحمل المرء العذابات والجوع والتشريد، أليس هذا مهرا مناسبا لعرسك الجميل؟
لسنا عشاق سجون ومشانق لكننا من اجل حرية شعبنا نتحمل ذلك ونضحي. تلك الكلمات الكبيرة المعنى قالها" فهد " القائد الشيوعي العراقي، امام المحكمة... ويتغنى السجناء السياسيون بنشيدهم المؤثر:

السجن ليس لنا نحن الاباة السجن للمجرمين الطغاة
ولكننا سنصمد سنصمـد وان لنـا مستقبلا سيخلد
لنـا الغـدُ، لنـا الغـد لنـا الغـدُ لنـا الغــد
حيـث تنصـب المشانق للمجـرميـن الطغــاة

لم تثن السجون ارادة الشيوعيين الذين لايفقدون في سجنهم سوى القيود، لم تثن تصميمهم على النضال في سبيالحرية لشعبهم ومستقبله لكنهم مثل الاخرين اناس من دم ولحم ولهم مشاعر وعواطف هي في ارق ماتكون وان ابتعادهم عن عوائلهم واصدقائهم، عن المعمل والحقل والمدرسة، عن المقهى والحارة، عن العمل السياسي بين الناس يضر بهم كثيرا... انهم لايمدون رقابهم كالنعاج لسكين الجزار لذا فهم يغتنمون الفرص للفرار من السجن الى الحرية، الى احضان شعبهم وذويهم الى حزبهم وحركتهم الثورية؛ ولسان حالهم يقول :

من السجون تهفـو القلـوب في حنين وفي اشتياق
رغـم البعـاد، أي حنيــن للنضـال مع الـرفاق
الظلم لا ينهار بغيرالتضحيات فيـــا قــــيود،
طلّي دمانا نحن ابـاة للطغاة نـأبــى السجـود

شهدت السجون السياسية عمليات من الهروب الفردية والجماعية فهرب سلام عادل من سجن الرمادي في اوائل الخمسينات والتحق بالعمل الحزبي في الفرات الاوسط... وهربت مجموعة من السجناء السياسيين من سجن نقرة السلمان مع احد ادلاء الصحراء... وصلاح، صلاح احمد الملازم الاول الشجاع حمل عشرين سنة من الحكم وارسل الى سجن نقرة السلمان، لكن الرجعية، رجعية الموصل لم تكتف بذلك بل دبرت له تهما اخرى وقررت اغتياله في المحكمة. وبذلك تقرر تهريبه من السجن، ففعل، وتم التستر على هروبه ثلاثة ايام وفي اليوم الرابع اكتشف الامر... كان صلاح عارف بالطريق الى النجف، ففي تلك الصحراء اجرى فرضيات عسكرية. كان صلاح يختفي في النهار ويعاود السير ليلا لكن شمس ايلول ساطعة جدا في النهار ويبرد الجو كثيرا في الليل ويبدو انه مرض وقبل ان يفارق الحياة دفن ما اخذه معه للاستعانه به في تحديد اتجاه الطريق... استشهد صلاح في الصحراء وحيدا على الرمال تحرس جثته الطاهرة نجوم السماء وشمس بلاده الساطعة. وقد رثته الشاعرة حياة النهر في قصيدتها ( صلاح يموت والدنيا بعد كمرة )...
وجاءت ام صلاح الى السجن بمعنويات عالية وقالت لرفاقه : مات صلاح في الصحراء وهذا افضل من ان يموت على ايدي رجعية الموصل، ان كل واحد منكم بالنسبة لي هو صلاح فكلكم اولادي... وهرب حامد مقصود وهو من الضباط الاحرار الذين كان لهم دور مميز في ثورة الرابع عشر من تموز/ 1958. وهرب الضابط الطيار عبدالنبي جميل ايضا من سجن الحلة المركزي في عام 1966، وهرب اخرون من معتقل خلف السدة الشرقية في بغداد ..

وتعتبر عملية حفر نفق في سجن بعقوبة في اوائل الخمسينات اول عملية منظمة للهروب الجماعي عن طريق الانفاق... كان السجناء الشيوعيون يتحلون بالانضباط الصارم الناتج عن الالتزام الفكري. فعندما قرروا الحفر كانوا يدركون المخاطر الناجمة عنه لكنهم مستعدون لتحمل النتائج. فكانوا يعالجون اهم مشاكل الحفر وهو التراب بسرية تامة، فكانوا يخفونه تحت الافرشة بدقة متناهية ويعملون من التراب وسائد تحت وسائدهم. وبذلك موهوا على السجان ماعملوا فنجحوا في اكمال الحفر والخروج منه لكن العملية فشلت وتم القبض على الذين تخلصوا من القيد وكان اخرهم ( ارا خاجادور وعمر الشيخ ) حيث قبض عليهما في البساتين. لقد اعيد من قبض عليهم الى السجن ثانية حاملين على كواهلهم سنوات اخرى من الاحكام ونقلوا الى سجن نقرة السلمان...
ليس كل السجناء على مستوى واحد من الصمود وقوة الارادة فمنهم من لم يتحمل القيد فيذهب الى ادارة السجن ويدلي باعترافاته ويتبرأ من حزبه ومن ممارسة العمل السياسي ثمنا لاطلاق سراحه.

عامــر الصـافـــي والبـــــراءة

عامر المعلم الشاب اعتنق الشيوعية مؤمنا بانها تنير دربه في العمل السياسي... عامر من عائلة اقطاعية معروفة في الفرات الاوسط، القي القبض عليه من قبل الشرطة السرية في اواخر عقد الخمسينات وفي التحقيقات الجنائية تحمل التعذيب الجسدي والنفسي فصمد صمود الابطال ولم ينبس ببنت شفه على رفاق دربه واصدقائه الذين إأتمنوه على اسرارهم فأثقل بعدة اعوام من السجن الشديد وسيق الى سجن الكوت...
بدأت الغيوم السوداء تتكاثف في سماء المستقبل الذي كان عامر يصبو اليه ويراه خاليا من كل شائبة فصار كدرا، قاتما، مسدودا بلا نهاية وفقد ثقته بشعبه وبالطبقة التي اعتنق فكرها واهدافها، فعنّ عليه البعد عن العائلة وسرى به الشوق والحنين الى المدرسة والصغار والمقهى فكانت تلك اقوى من البطولة والصمود... وفي ساعة متأخرة من الليل نادى على السجان وطالب بمقابلة مامور السجن مبديا استعداده لاعطاء البراءة من الحزب الشيوعي والتعهد بعدم ممارسة العمل السياسي. تردد السجان ولم يصدق اذنيه ان عامر سيتبرأ من حزبه؛ أ لح عليه فاستجاب وايقظ المأمور واخبره بطلب عامر وبعد تردد حذر حسم المأمور الامر واذا بعامر يكتب بيده ويوقع الكليشه السيئة، لقد وضع عامر بصمته في ذيل ورقة الذل والضعف وبذلك اخرج من ردهة السجن التي كان ينام فيها بين رفاق الدرب، الى مكان اخر بين بابي السجن في انتظار الصباح لتسوية امره...
لم ينم عامر في تلك الليله، كان قلقا وكأن شيئا مقدسا قد انتزع منه، كان يحلم بالحرية ويشعر بالجبن والذل في آن واحد نقيضان في ذهنه، فرط شجاعته السابقة بفرط جبنه الحالي. وبعد اغفاءة، مليئة بالكوابيس، دقت الساعة السادسة صباحا، انه فجر يوم جديد للعراق ونقلة نوعية في تاريخه السياسي والاجتماعي. استيقظ عامـر على صوت المذياع في البيان الاول لثورة الرابع عشر من تموز المجيدة...!!؟

جـــــــــــــــــلال

كان صغير الجسم كعصفور دوري، برزت وجنتاه بنتوئين في وجهه الاسمر الشاحب الذي لوحته رياح الظهيرة في الشوارع المغبّرة لمدينة كركوك. وتدلت خصلات من شعره الفاحم على جبهته التي ناصفت وجهه. وغطت شواربه الكثة فمه الصغير. وصار يلوح لمن يراه ان حنكه قد ارتفع ليحتمي تحت شاربيه كما يحتمي حيوان صغير تحت ظل شجيرة صغيرة في يوم قائظ اما عيناه فكانتا صغيرتين حادتين وفي تقطب دائم... ذلك هو جلال، صباغ الاحذية، الذي ورث الحرفة من والده منذ نعومة اظفاره. كان يجوب الشوارع المزدحمة يحمل صندوقه الصغير الذي يحتوي علبا من الاصباغ والفرشات، ينحني على الاقدام، يغسل الحذاء، يجففه، يضع عليه مقدارا من الصبغ، تبدأ الفرشات تتراقص في كفيه كمكوك نسيج طيار . ان مهنته لاتكلف كثيرا من الاعداد والتأهيل، ولاتحتاج الى رأسمال، فثمن ادواته لا يساوي نصف دينار... ومن عمله في تلك الساعات الطويلة يؤمـن المصاريف اليومية للعائلة المكونة من الاب الشيخ والام والزوجة وطفلته الصغيرة التي اطفأت للتو شمعتها الاولى. لكن ايام جلال ماكانت تسير على وتيرة واحدة، بل، غالبا ما تشوبها المنغصات، طرده من الارصفة وواجهات المحلات، رفس صندوقه وضربه ، الدفع اقل مما يجب ان يدفع ثمنا لصبغ الحذاء، الابتزاز، واقتل من ذلك كله الازدراء، فمهنته من المهن غير المحترمة لدى البعض مما يؤثر على مزاجه كثيرا، ويتحكم في تصرفاته في البيت ..هذا الواقع الطبقي المّر، قاد جلال للبحث عن بصيص يضيء له الدرب الذي يفضي الى عيش افضل والشعور بادميته وتخلصه من الانسحاق والمستقبل المظلم، فلم يجد نفسه الا وهو محشور مع الكثيرين بين جدران المعتقلات يُصلَب اكثر من مرّة في اليوم، يُشدُّ شعره ويضرب حتى على المناطق الحساسة من جسمه والتعليق في المروحة حد الاغماء والحرمان من النوم والاكل والزيارات، حتى بصق على الحياة وكل الدنيا ويوم ميلاده. وبعد هذا العذاب حط به المطاف في سجن العمارة المركزي مثقلا بعشرين عاما سجنا شديدا.

يقع سجن العمارة المركزي في جنوب المدينة وهو اخر بناية فيها قبل ان تمتد الى جواره اكواخ الكادحين... بناية السجن قديمة جدا، ويقال انها بنيت في الزمن العثماني، وعلى الطراز القديم مثله مثل سجون المحافظات الاخرى، حوش كبير يتوسطه خزان من الماء مثبته فيه عدة صنابير... وتشكل القاعات ضلعين ونصف من البناية، هناك ما يشبه الصالة الكبيرة بين البابين الحديديين وجناح اخرمعزول، يسمى المحجر يتكون من غرفتين كبيرتين وساحة ضيقة؛ وزنزانات صغيرة انفرادية معزولة تماما؛ وغرفة خاصة للمشنقة ببئرها النتن المسقف بغطاء من الخشب وهذا الغطاء يتكون من جزأين قابلين للفتح الى الاسفل، والة لفتح او لغلق الغطائين. وفي الاعلى عارضة قوية من الحديد يتدلى فيها حبل المشنقة وكالمعتاد فان غرفة ادارة السجن والسجانين والمشجب والعيادة الطبية، تقع في مدخل السجن... كل ذلك محاط بسياج مرتفع ،وعلى سطح السجن محارس للسجانين ؛ والبناء، كل البناء مشيد من الطابوق الاحمر الردىء النوع.
ان المنطقة التي يقع فيها السجن منخفضة لذا فان بناية السجن محاطة ببرك من الماء الاسن، اهم مكان لتكاثر الحشرات. لذلك فالسجن رطب جدا وتكاد جدرانه تنزُّ ماء"... السجن بلا تدفئة ولا مراوح، برد قارس في الشتاء وحر لاهب في الصيف... يشكل الشيوعيون واصدقاؤهم الاكثرية من السجناء اما الاقلية فهم من السجناء في جرائم غير سياسية... يوجد حمام واحد جماعي... ويجري التعداد الصباحي والمسائي في الساحة حيث ينظم السجناء بطابور مؤلف من أسطر وكل سطر يضم خمسة افراد لسهولة العدّ. اما الزيارات فهي محددة بيوم واحد في الشهر، وبين فترة واخرى يجري احتلال السجن وتفتيشه واخذ كلما هو ممنوع، كالراديو والكتب وغيرها.
نُقلت من الزنزانة رقم (5) الى داخل السجن بعد ان أمضيت فيها شهرا ونصف الشهر، وقد عينوا لي مكانا في القاعة رقم(3). فرشت بطانية صغيرة على الارض، والتحفت الاخرى، وكان حذائي هو وسادتي. وذات ظهيرة لاهبة زاد من حرّها الهواء اللافح من ساحة السجن المعبدة بمزيج من القار والحصى الناعم، جلب انتباهي ذلك الشاب المنزوي باسماله، القليل الاختلاط بالاخرين، لم اشاهد من يزوره او يسأل عنه، وكأنه جاء من مكان مجهول من هذه الدنيا ... كان جلال يكتفي بطعام السجن فقط، وقلما اراه يشرب الشاي خارج وجبتي الطعام في الصباح والمساء، كان يسرح مع افكاره وهمومه وشجونه، وفي يوم ما استدعي الى ادارة السجن ورجع بعد نصف ساعة مضطربا يترنح في مشيته، خشيت انهم عذبوه، لكن الوقت وقت غيابه لم يكن طويلا، ارتمى على فراشه ودفن راسه بين اسماله، واصدر انينا ونشيجا مكتوما. بقيت اراقبه عن كثب، لم يتناول طعام الغداء ولم يذق شيئا في المساء مما زاد في اضطرابي... اقتربت منه، كلمته ، تردد مرات وافصح مرّة، قال:

_ لاشئ لدي غير الحزب، انه الوحيد الذي افكاره في رأسي وحبه في قلبي ولحمي وعظمي، ابوح له كل شئ، له أفضي همومي ومأساتي، لقد جسدت اخلاصي وامانتي انني تحملت التعذيب الجسدي والنفسي والجوع والاهانات والسجن، كما ترى. ولم اعترف على رفاقي. لقد كنت امينا على كل اسراره، والان...
_ والان ماذا ياجلال؟
_ لي زوجة شابة وطفلة في الثانية من عمرها، ولااريد ان اضيف شيئا عن زواجنا وحياتنا العائلية قبل السجن، بل، كلمة واحدة اقولها، هي اننا كنا سعداء. قلت:
_ وماذا ياجلال، قل لي؟
_ ماكنت اريد البوح، ولكن للحزب ابوح... ابلغت هذا اليوم من قبل اخي الكبير الذي زارني، هو ان زوجتي حامل في شهرها الخامس وانا سجين منذ اكثر من سنة..!!
_ وبعد...!!
_ افادت هي في مركز الشرطة انها حامل من والدي، والان فان والدي وهو الشيخ التقي رهن الاعتقال الى حين وضعها الطفل وتحليل الدم، وهي ايضا معتقلة... كم من مصيبة يارفيق، السجن، البعد، التعذيب، تهدم الاسرة، والدي وزوجتي في السجن.
ـ والطفلة..؟
_ الطفلة لدى والدتي...واسترسل:
بعد اعتقالي وعدم تمكنهم على حملي على الاعترافات او اعطاء البراءة من الحزب، اعتقلوا والدي وطلبوا منه التبرؤ مني لكنه رفض ان يوقع على الورقة التي قدموها له والتي تتضمن انني اتبرأ من ولدي جلال... لانه شيوعي والشيوعية كفر والحاد...))
_ وهل والدك سياسي،
_ نعم كان سياسي وقد شارك في حماية اضراب عمال كاورباغي.
_ وهل تعرضت زوجتك للاعتقال...؟
_ بعد اشهر من صدور الحكم عليّ اعتقلوها وطلبوا منها ان تطلب الطلاق مني، لانني شيوعي ومحكوم عشرين عاما، فرفضت، حسب علمي، وانقطعت الاخبار عني.
هدأت من روعه وتعاطفت معه. وحكيت له امثلة كثيره من تلك التي تعترض الرجال واحضرت له بعض الطعام والسكائر. وفي اليوم التالي وبناء على توصية تنظيمنا الحزبي في السجن ابلغته ان ينفصل عنها قانونا وتم ذلك في اليوم التالي بمساعدة ممثلنا لدى ادارة السجن...

ملاحظة.. في صيف 1969 وبعد خروجي من السجن التقيت جلال في كراج النهضة وكان يحمل صندوقه الصغير وفرشا" لصبغ الاحذية حيث مهنته. كان اللقاء حارا" وبكى حين التقاني سالته عن احواله فقال انه في طريقه الى الزواج واوضح لي ان طليقته كان قد اعتدي عليها في مديرية امن كركوك واطلق سراحها فكانت حاملا وركبت التهمه بوالده لتشويه سمعته وسمعة العائلة لان الدم لم يكن مطابقا لدم والد جلال والطفل مات بعد شهرين من وضعه. وقد تزوجت هي من رجل اخر بعد فترة...

علي الموصلي 2021-08-15 10:10 AM

رد: سجن نقرة السلمان ذكريات ومآسي
 
اين الحقيقة في عملية الهروب عبر نفق سجن الحلة المركزي .. ؟ في زمن عبد الرحمن عارف حتى لا واحد يقول : ظلم البعثيين
الشيوعيين كل العراقيين يكرهونهم

عبد القادر احمد العيداني

قام السجناء السياسيون من الشيوعيين في السادس من تشرين الثاني عام 1967 بعمل ملحمي بطولي سطر بحروف من ذهب في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي , هذا العمل ارعب الحكام الطغاة , الذين مهما حاولوا سلب الحرية وخنق الانفاس والقاء المناضلين في غياهب السجون لأذلالهم والقضاء على الاهداف النبيلة التي نذروا انفسهم لها الا ان الحكام الفاسدين عادوا خائبين يلحقهم العار والشنار , بعد ان وجه سجناء الحلة لطمة على رؤوس العفنين واشباه الرجال من جلاوزة الحكم العارفي صنيعة الرجعيين و الاستعماريين .

http://www.al-nnas.com/ARTICLE/AkIdany/31jd7.jpg
نفق سجن الحلة

http://www.al-nnas.com/ARTICLE/AkIdany/31jd1.jpg

وعندما بادر المقبور طاهر يحيى الذي كان رئيساً للوزراء في تلك الفترة بالذهاب فوراً الى موقع النفق في سجن الحلة ذهل من دقة التخطيط والتنفيذ لهذا العمل البطولي الخالد في تاريخ العراق الحديث فدخل وخرج من النفق الى الكراج مستغربا من دقة العمل ,

بعد مضي قرابة اكثر من خمسة عقود على هذه الملحمة البطولية في هروب حوالي 40 سجيناً عبر النفق وكان من المؤمل ان يكون من سيتنفسون الحرية اكثر من ذلك ، ربما مئات السجناء الا ان بعض الاخطاء التكتيكية والعجلة وضعف العلاقة بين السجناء من خلال انشقاق عزيز الحاج حيث اصبح السجناء فريقين غير متفاهمين ادت هذه العوامل السلبية بأكتشاف خطة الهروب وضعف التنفيذ من خلال السجناء الهاربين .


http://www.al-nnas.com/ARTICLE/AkIdany/31jd3.jpg
حسين سلطان صبي

http://www.al-nnas.com/ARTICLE/AkIdany/31jd5.jpg
عقيل حبش

http://www.al-nnas.com/ARTICLE/AkIdany/31jd2.jpg
جاسم المطير

http://www.al-nnas.com/ARTICLE/AkIdany/31jd4.jpg
حميد غني جعفر

http://www.al-nnas.com/ARTICLE/AkIdany/31jd6.JPG
مظفر النواب
كتب عن هذه الملحمة البطولية كل من السجناء الراحل حسين سلطان عضو اللجنة المركزية السابق وعقيل حبش وجاسم المطير وحميد غني جعفر (جدو) وكذلك على ضوئها ادلى الباحث محمد علي محي الدين بدلوه بالاضافة الى السجين علي عرمش شوكت وآخرين وكتب عنها الاستاذ حسين الهنداوي في الفترة الاخيرة من خلال كتابته سلسلة من المقالات في جريدة المدى لاستعراض حياة الشاعر مظفر النواب وقامت فضائية الحرية قبل عدة سنوات بأنتاج فلم وثائقي عن هذه العملية , كثر الحديث واللغط عنها من خلال الاشخاص المنفذين وكل منهم يدعي البطولة له حتى وصلت مرحلة الزيف هنا وهناك ومن اجل القاء الضوء الساطع على عملية الهروب من نفق سجن الحلة عام 1967 نستعرض ما كتب عنه بعض المخططين والمنفذين لهذا العمل البطولي وغايتنا اجلاء الحقيقة والتوصل الى الحقائق الساطعة لهذه العملية لأنها دخلت في ذمة التاريخ ....

في ذكرياته عن هذه العملية اورد السياسي العصامي الراحل حسين سلطان قصة النفق والهروب من سجن الحلة المركزي عام 1967 م وفي طبعته الاولى عام 2007 من اصدار دار الخالدي للطباعة والنشر والتي اصدرها نجله السيد خالد حسين .

يقول الراحل وقعت عدة محاولات للهروب من السجون السياسية في العراق واتخذت اشكالاً متنوعة من حيث الطرق والاساليب مثل كسر الشباك والهروب من خلاله او ثقب في جدار من جدران السجون او استغفال السجناء والافلات منهم من خلال مراجعة المستشفيات او استخدام المكياج في التمويه والخروج مع عوائل السجناء خلال فترة المواجهات , اما عن اول هروب جماعي من خلال الانفاق تم في سجن الكوت عام 1951 وتلاه سجن بعقوبة في الخمسينيات ايضاً وعقبته عملية الهروب من معتقل الفضيلية في الستينات ومحاولة الهروب من سجن الكاظمية عام 1963 التي لم يكتب لها النجاح ومحاولة لم تكتمل من سجن نقرة السلمان لحفر نفق واخيراً في سجن الحلة المركزي ,

شرح حسين سلطان الظروف البالغة السرية من الدقة وضبط الاعصاب والصبر وطول النفس في العمل والاختيار الدقيق للعاملين في النفق بالاضافة الى التظليل على حرس السجن والكتمان امام السجناء لعدم اكتشاف العمل اما موضوع نفق سجن الحلة في عام 1967 والهروب منه فلو لم يقع الانشقاق داخل الحزب في تلك الفترة لكان بالامكان تحرير اكثر من مائة سجين خلال الليل وحتى الصباح دون ان تشعر ادارة السجن بذلك , ويقول حسين سلطان في اواسط نيسان 1967 تم نقلي من سجن نقرة السلمان الى سجن الحلة على ضوء تقارير طبية اكدت على موتي من خلال بقائي في سجن نقرة السلمان , ويستطرد بالقول قبل مغادرته سجن نقرة السلمان بأيام ومن خلال الاحاديث عن عمليات الهروب اعلمني احد السجناء الذي جاء منقولاً من سجن الحلة الى سجن نقرة السلمان بالقول (اننا سعينا في سجن الحلة قبل نقلنا الى حفر نفق من غرفة الصيدلية بعمق ما يقارب المتر الا اننا اضطررنا الى غلقه صبة من السمنت) وقال لي سوف تلاحظ ذلك اذا وصلت الى سجن الحلة.

وعند وصولي الى سجن الحلة طلب مني اعضاء لجنة تنظيم السجن ان اخفي وجهي عن السجانين اثناء التعداد ولا أذهب الى الادارة السجنية ولا اقترب من السجانة وكل ذلك على الا يتعرفوا على ملامح وجهي وذلك لوجود امكانية هروب رفيق واحد مع المواجهين وعملت بهذه الوصية.

وخلال تلك الفترة الزمنية وصل السجين حافظ رسن منقولاً من السلمان حيث لي معرفة سابقة به عندما كان خارج العراق فتم تشكيل منظمة السجن من جديد من سبعة سجناء كنا انا وحافظ رسن من اعضاءها ومن خلال الحوار بيني وبين حافظ رسن تم اختياره للعمل الحثيث لأنجاز عملية الهروب التي بدأت في اواسط آيار 1967 بالإمكانيات المتوفرة وتدارسنا كل جوانبه نظرياً وعملياً وكل التفاصيل من حيث تحديد المكان وضبط المقاييس وتشخيص العاملين والادوات التي تستخدم وسرية العمل وكيفية التخلص من التراب المستخرج من النفق وتم اختيار الرفاق حميد غني جعفر(جدو) والملازم فاضل عباس وعقيل حبش حيث كان هؤلاء الثلاثة ابطال حقيقينن في الجهاد ونكران الذات كانوا يعملون ليل نهار ويتقدون حماساً من اجل انجاز المهمة المكلفين بها .

مرت علينا في تلك الفترة انتكاسة حزيران 1967 للجيوش العربية امام اسرائيل فتواردت لدينا افكار بالاستيلاء على ادارة السجن وتحرير السجناء من خلال حجز السجانين عند دخولهم في التعداد المسائي الى ساحة السجن , الا ان هذه الفكرة لم يجانبها النجاح لعدة عوامل .

وكان العمل مستمر في حفر النفق حيث يأتيني صباح كل يوم حافظ رسن يزودني بآخر المستجدات والمصاعب التي تواجههم وكيفية حلها , اما العناصر الذين يحملون فكرة عزيز الحاج ولديهم بعض الملاحظات على سياسة الحزب كان اكثرهم حماساً (مظفر النواب , الفريد سمعان , وعناصر آخرى) اما من الناحية الفكرية واخراجها بعد التحليل فكان جاسم المطير الاساس لها الا انه لا يستطيع ان يكون وجهاً لهم لأسباب معروفة من خلال موقفه امام هيئات التحقيق وكذلك لاحظت حافظ رسن في وضع غير طبيعي حيث التنظيم الحزبي اصبح منظمتين احداها مع الحزب والاخرى مع القيادة المركزية الا انهما يبدون موحدين امام ادارة السجن ومن سوء الصدف عند حدوث الانشقاق انحاز الى المنشقين اثنان من اصل ثلاثة رفاق يعملون في حفر النفق وهم حافظ رسن وفاضل عباس وبقى مع الحزب حميد غني جعفر .

في يوم السادس من تشرين الثاني عام 1967 اعلمني حافظ رسن انه في عصر هذا اليوم عندهم اجتماع في القاعة الشمالية قلت له ان هذا امر يخصكم وكانت مهمة تصميم الهويات المزورة من اختصاص مظفر النواب جاءني واعلمني بعد ذلك عن اختيار اصحاب الصور التي زودناه بها لأسماء من عندهم حتى لا ينسوها.

في الساعة السادسة من ذلك اليوم لاحظت بعض العناصر المنشقة تأتي من القلعة القديمة الى القاعة وكل منهم يحمل كيساً من القماش او النايلون فناديت على احد الرفاق وقلت له اذهب الى تلك القاعة وانظر من فيها فذهب وبقيت اتابعه بنظري وعند الباب منعه احد السجناء من المكلفين بالحراسة من الدخول فناديت عليه ان يدخل عنوة وعاد مسرعاً قائلاً لا يوجد احد في القاعة انهم غدروا بنا من خلال السماح للهروب لجماعتهم وقبل كسر الباب الذي يؤدي الى النفق قلت لجدو اطرق الباب عليهم فسأل حسين ياسين من الطارق فقال له انا جدو ويكلمك ابو علي (حسين سلطان) افتح الباب والا كسرت القفل وكانت خطتي ان يكون بداية الهروب عشرة سجناء خمسة منا وخمسة منكم وعند ذلك يخرج من يريد الهروب قال حسين ياسين موافقون فكان جماعة الحزب هم الشهيد عبد الامير سعيد ولطيف الحمامي وحميد غني جعفر وحسين سلطان وخامس لا يتذكره اما من الجماعة المنشقة فهم حسين ياسين وحافظ رسن وملازم فاضل عباس ومظفر النواب وجاسم المطير الا انه حدث هرج في ساحة السجن وحاول الكثير من السجناء الدخول الى النفق فأختل النظام ولم يبقى اي ضبط وذلك من خلال دخول خمسين سجيناً مرة واحدة الى فوهة النفق التي اصبحت مكتظة بالسجناء .

و عند الخروج من النفق لاحظت ان الحفر كان في مكان مناسب وكان طول النفق 14 متر والارتفاع بين متر ومتر وربع وعرضه متر حيث تم الخروج من خلال الكراج الملاصق للسجن مما اصاب حارس الكراج بالذهول من خروج هذه الاعداد الكبيرة من تحت الارض فاسرع الى شرطي المرور المقابل للكراج وبادر الشرطي الى رفع السماعة والاتصال بأدارة السجن .

فتم هروب 40 سجيناً من خلال النفق والقي القبض على 14 منهم داخل مدينة الحلة والبقية تخلصوا من ارهاب الحكام الطغاة ووصلوا سالمين الى الاماكن التي ذهبوا اليها فذهب الراحل حسين سلطان الى النجف واستقر هناك في بيوت حزبية وعين مسؤول لجنة الفرات الاوسط للحزب الشيوعي ومن ثم انتقل الى بغداد.
.....
اما الحكاية الثانية لعملية شق نفق سجن الحلة تناولها السجين عقيل حبش الجنابي في كتابه الصادر عن دار الملاك للفنون و الادب والنشر تحت عنوان الطريق الى الحرية يقول بعد ان تم الحكم عليّ عشر سنوات ونصف من قبل المجلس العرفي العسكري اودعت في سجن الرمادي ونقلت بعد ذلك الى سجن العمارة ومنه الى سجن الحلة المركزي حيث وجدت ان النية في نقطة الشروع للهروب من خلال حفر نفق من المطبخ وبسبب المصاعب وبعد المطبخ عن السياج تم استبدال خطة حسب ما ذكره حسين ياسين وذلك بسبب وجود نقطة حراسة تشرف على المطبخ يقول عقيل انه اتفق مع حسين ياسين وفاضل عباس على ان يكون النفق من خلال الصيدلية بعد ان يتم نقلها الى مكان آخر وتشكلت لجنة التخطيط بالاضافة الى مسؤول التنظيم نصيف الحجاج وكل من حافظ رسن وحسين ياسين ومظفر النواب اما لجنة التنفيذ فتشكلت من عقيل حبش وفاضل عباس وكمال كمالة وحميد غني جعفر وهؤلاء السجناء هم وحدهم يعلمون بأمر النفق من بين (500سجين) حيث تم العمل بتكتم شديد وصنع صندوق خشبي كبير لغرض وضع الاتربة به وكذلك في جسد ثلاجة قديمة وادعا عقيل انه صب باب النفق بمساعدة بعض الاسلاك المعدنية (قبق النفق) وتركه ثلاثة اسابيع ليكتمل جفاف السمنت وصادف يوم العمل هو 14تموز 1967 عندها يقول التقينا فاضل عباس وانا ومظفر وبدأنا بالحفر ونقل الاتربة في جسد الثلاجة القديمة مما حدا في تلك الفترة بحسين ياسين تبليغ كمال كمالة وجدو بالاستغناء عنهم في الحفر وتطرق عقيل حبش عن دوره في تبطين النفق بالبطانيات القديمة من خلال استعمال مسامير واغلفة (قبقات المياه الغازية) وتم انارة النفق بالتيار الكهربائي , يقول عقيل بعد ان ارهقني العمل في حفر النفق ذهبت الى القلعة الرابعة لغرض قضاء فترة من الاستراحة واذا بأحد السجناء يوقظني ويقول بعصبية يريدك مظفر نهضت متعباً وذهبت الى القاعة المجاورة الى النفق فشاهدت السجناء بلا ضوابط يدخلون الى النفق فقلت اين حافظ ومظفر وفاضل وحسين ياسين قالوا كلهم خرجوا فتزاحمت مع السجناء داخل النفق وخرجت مع اخي رياض حبش من خلال النفق .
....
اما الحكاية الثالثة لقصة هروب السجناء السياسيين في سجن الحلة عام 1967 للسجين جاسم المطير تحت عنوان الهروب من نفق مضيء من اصدار دار الرواد المزدهرة للطباعة والنشر .

تحت عنوان معضلة الذاكرة وقصة الهروب من سجن الحلة قدمها الدكتور كاظم حبيب مما جاء فيها .. اعرف الكثير من الشخصيات التي كتب عنها جاسم المطير التقيت بهم او عملت مع بعضهم في فترات مختلفة او سمعت عن البعض الاخر , ولهذا فقد نبش هذا الكتاب في داخلي الكثير من الذكريات التي تراكم عليها الغبار الا انها بقيت حية وشاخصة مرت امام عيني على شكل شريط سينمائي بالصوت والصورة.

يقول جاسم المطير ان الذين ساهموا بالتخطيط والتنفيذ لا يمتلكون الحقيقة كلها عن عملية النفق فما يعرفه حسين سلطان عن الهروب هو جزء من الحقيقة وليس كلها , وما يعرفه مظفر النواب هو ايضاً جزء آخر وكذا القول عن ما يعرفه فاضل عباس او حسين ياسين او جاسم المطير او نصيف الحجاج او عقيل الجنابي او حميد غني او كمال كمالة او حافظ رسن وهذا يعني انه لم يكن اي شخص من السجناء يملك لوحده كل مفاتيح العملية او مغاليقها.

بخصوص اختيار موقع النفق في الصيدلية او في المطبخ يقول ان حافظ رسن كان ميالاً الى الصيدلية التي لم ادخلها قبل ذلك ولا حتى قبل الهروب المرة الوحيدة التي دخلت فيها الى الصيدلية هي ساعة الهروب فقط , تم اختيار كوكبة من اربعة سجناء تنطبق عليهم المواصفات من قبل مظفر النواب وهم الملازم فاضل عباس , عقيل حبش , حسين ياسين , كمال كمالة , حيث تم اختيارهم لتنفيذ خطة العمل وحفر النفق وتم بناءً على اقتراح حسين سلطان اضافة حميد غني .

كان واجبنا العمل بيقظة وحذر وخلال جدلنا نحن مظفر النواب ونصيف الحجاج وحافظ رسن وجاسم المطير وكذلك ضرورة معرفة المسافة بين الصيدلية والكراج والتفكير عن عملية مقبولة لتصريف كميات التراب الناشئة من عملية الحفر حيث ابتدع فريق التنفيذ وسيلة جديدة من وسائل تصريف التراب بعلب فارغة من مسحوق (التايد) والقاءها في تواليتات السجن ويقول جاسم المطير كنت ومظفر نذهب للمرافق الصحية خلال الليل وفي بعض الاحيان كان حافظ رسن ينقل التراب في هذه العلب وكان يشاركنا نصيف الحجاج طول الليل ,وهذا يناقض كلامه انه لم يدخل الصيدلية قط الا يوم الهروب .

خلال المواجهة الشهرية في الاول من تشرين الثاني 1967 كنت منشغلاً مع سميرة محمود (زوجته) لأبلاغ بغداد ان ساعة الصفر ستكون في اليوم الخامس من تشرين الثاني وفي تمام الساعة السادسة مساءً ولم يفصح المطير عن قوله عن بغداد هل هي اللجنة المركزية او القيادة المركزية للحزب .

ان اللمسات الاخيرة للنفق انتهت كلياً فريق التنفيذ انجز كل ما عليه بأسهام فاضل عباس , كمال كمالة , حسين ياسين , عقيل حبش , ولا ننسى الشاب حميد غني جعفر كان قد أسهم مندفعاً في حفر النفق في اول ايام الغبطة المشتركة في حفر النفق في بدايته .

ويوم التنفيذ استلمت كافة الاستعدادات وحال دخولنا الى الصيدلية جرى طرق حاد على باب الصيدلية والقول اخرجوا والا ستكسر الباب على رؤوسكم رد عليهم مظفر وحسين ياسين توقفوا عن الطرق نحن قادمون اليكم ووجدنا تجمع كبير في باب الصيدلية وكان حسين سلطان وجميل منير وحميد غني في مقدمة المتجمهرين وهم في غاية التوتر والعصبية حيث غالبية السجناء المتجمعين ادركوا في الحال ان خلافاً شديداً حصل بين جماعة اللجنة المركزية والقيادة المركزية وتبادل الطرفين الكلام حول النفق وما ان حاولت معاتبة جميل منير حتى ضربني (راشدي) بكل قوة ومنعت من الاخرين بالرد عليه وهنا بادر حافظ رسن بالاتفاق مع حسين سلطان وجميل منير ان يكون عدد الهاربين من اللجنة المركزية بنفس عدد المقرر هروبه من جماعة القيادة المركزية اي 12 سجيناً من كل طرف بالتناوب كان اول النازلين الى النفق حسين سلطان واربع من جماعته تلاه خمسة من المحسوبين على القيادة المركزية وهم حسين ياسين وفاضل عباس وكمال كمالة وجاسم المطير ومظفر النواب .
..........
عن بيت الكتاب السومري اصدر حميد غني جعفر (جدو) كتاب بعنوان الحقائق الناصعة في عملية حفر النفق والهروب من سجن الحلة المركزي عام 1967 وذلك في هذا العام ..

استهل الكتاب بتقديم للباحث محمد علي محي الدين الذي اكد على الامانة والمصداقية في كتابة التاريخ وان يضع الحقائق امام عينيه في ما يكتب او يقول .

ان عملية الهروب من سجن الحلة لم تؤرخ في حينها وتتعلق بالظروف التي تلت الحدث حيث اصدر عقيل حبش عن دوره في العملية وتصدى الاستاذ جاسم المطير للرد على ما كتبته عن عملية الهروب ناسباً لنفسه مضخماً مع اشارة باهتة لأدوار العاملين الحقيقيين في انجاز عملية الهروب ان حميد غني اورد الحقائق الناصعة في هذه العملية حيث اعطى لكل مشارك حقه من خلال التخطيط والتنفيذ .

ان عملية حفر النفق والهروب من سجن الحلة كثرت حوله الاقاويل والادعاءات وكل يدعي البطولة لنفسه علماً ان فكرة حفر النفق تبلورت لدى المنظمة الحزبية بقيادة نصيف الحجاج في منتصف شهر نيسان 1967 وعندما وصل سجن الحلة الراحل حسين سلطان منقولاً من سجن نقرة السلمان كانت لديه معلومات عن حفر النفق من خلال الصيدلية فتم تشكيل لجنة التخطيط متكونة من مظفر النواب وحافظ رسن وحسين ياسين اما المنفذين لعملية الحفر اربعة رفاق كنت احدهم مع فاضل عباس , عقيل حبش وكمال كمالة فبدأنا العمل بشكل يومي على مدى ساعتين الى ان اكملنا النفق وعن الليلة الحاسمة يتحدث بأسهاب عن الاساليب الغير الشرعية لمنظمة القيادة المركزية حيث عملوا خدعة لغرض الهروب تحت حجة ان لديهم اجتماع في القاعة المجاورة للصيدلية وذلك في اليوم السادس من تشرين الثاني 1967 فأبلغ حافظ رسن ذلك الى الراحل حسين سلطان فاجابه ابو علي انه امر يخصكم وبعد ان كشفت نيتهم للهروب اشار الرفيق حسين سلطان بحمل (شيش) من الحديد كان مرمي على الارض لغرض كسر الاقفال وناديت من خلف الباب على حسين ياسين وقلت له هل هذه هي الامانة الحزبية التي تربيت عليها وهي الغدر برفاقك بعدها تم الاتفاق على ان يخرج واحد من جانب الى آخر من الجانب الثاني وبعد حوار تم الاتفاق على خمسة من كل طرف فكان الاول حسين سلطان تبعه مظفر النواب وبعده كاتب السطور (حميد غني جعفر) ومن ثم صار الهرج والمرج بين السجناء الا ان علمت ادارة السجن اخيراً من حارس السجن الى عملية الهروب ..
.....
وكتب الباحث محمد علي الدين في اضواء على عملية الهروب من سجن الحلة بين فيها الصدى الواسع لجرس تنامي النهوض الشيوعي وقوته وقدرته على العمل في اصعب الظروف والاحوال حيث كان لها التعجيل في انهاء الحكم العارفي .

يقول الباحث ان عقيل حبش تناول في روايته عن عملية الهروب فأعطى لنفسه فيها حيزاً كبيراً غمط فيه ادوار الاخرين واعطى لنفسه الدور الاكبر في التخطيط والتنفيذ وكذلك كتب جاسم المطير تحت عنوان معضلة الذاكرة ركز على دوره نافياً دور الراحل حسين السلطان والاخرين في هذ الملحمة البطولية حيث قام الاستاذ جاسم المطير بنشر مقالاته في كتاب اطلق عليه (الهروب من نفق مضيء) وصف فيه اللجنة المركزية والقيادات الشيوعية بأبشع الاوصاف متهماً اياها باليمينية والذيلية والارتدادية وما الى ذلك من مصطلحات في قاموس الانتقاص والسب وحفاظاً للأمانة التاريخية انشر ما كتب وما قيل عن عملية الهروب لتكن رداً على الاكاذيب و الاشاعات التي اطلقها المطير .

وقد اثارت كتاباتي في حينها ذاكرة الاستاذ المطير فخرج علينا ببياناته وصواريخه وذكرياته الحبيسة عن الواقعة وخلفياتها مبيناً وجهة نظره علماً ان المطير كان في تلك الفترة بعيداً عن التنظيم بسبب انهياره واعترافه وكشفه لخيوط التنظيم ومفاصله عندما كان مسؤولاً في المنطقة الجنوبية للحزب .

ورد السجين حميد غني جعفر على بعض ادعاءات المطير بما يلي :
1- اني صادق قولاً وفعلاً
2- لست من الباحثين والمتهافتين على تبوء المكانة الحقيقية التي نعتز ونتفاخر بها
3- يتهمني جاسم المطير بالامية اما ادعاءه بأن كتاباتي على طريقة الافلام الهندية فهي مواصفات يمتلكها غيري من المتحذلقين بالكلام
4- اما عطل ذاكرتي فأني والحمد لله في صحة موفورة وذاكرتي لا تزال تحتفظ بأدق الذكريات ولا زالت نشطة ولم يخالطها الاعياء
5- هل قرأ الزميل المطير لقاء كمال كمالة في جريدة ريكاي كوردستان حي ذكر فيه اسماء المساهمين في النفق دون ان يذكر لا المطير ولا غيره , في اي دور الذي يصر عليه المطير ومن هم على شاكلته مما لا زال الحقد يدمي قلوبهم ويعمي عيونهم عن رؤية الحقائق
6- صدرت مذكرات عقيل حبش عام 2004 تحت عنوان الطريق الى الحرية ولم يذكر اي دور في التخطيط والتنفيذ لجاسم المطير
7- وكذلك مذكرات الراحل حسين سلطان لم تذكر اسم المطير لا من قريب ولا من بعيد
8- كتب الكثيرون عن عملية النفق ولم يذكر احدهم اي دور للمطير في التخطيط والتنفيذ و المتابعة

فرد السيد جاسم المطير في مقالة له تحت عنوان (بيان رقم 999) من المجلس المسماري الاعلى قائلاً ان الهجوم الغير متمدن الذي شنه علي حميد غني جعفر انني لا علاقة لي مطلقاً بهروب السجناء من سجن الحلة المركزي عام 1967 لا بالاعداد ولا بالمساهمة اقول بصفاء نية وبإخلاص تام ان قضية الهروب ما زالت تعاني من معضلة الذاكرة مما يحتم على جميع الهاربين ان يتعاونوا تعاوناً اخوياً للوصول الى خلاصة مشتركة دقيقة لعملية الهروب غير ان ما كتبه حميد غني جعفر برهن بشكل قاطع انه يعاني من عطب شديد في الذاكرة وان هذا العطب اوجد عند هذا الرجل (منهج الهندية) في عرض الامور ,

واختتم المطير بالقول اسأل الله جلت قدرته ان يهدي حميد غني جعفر على تنشيط ذاكرته وان يهديني الى طريق العفو عند المقدرة كي لا اضطر بأصدار البيان المسماري رقم (1001) وصواريخ العابد بصدد مقالته المذكورة .

ازاء هذه المساجلة قال الباحث محمد علي محي الدين تحت مقال (البيانات الصاروخية والحقائق المخفية في المسامير المطيرية) اطلب من الاخ جاسم ان لا ينفعل ويرسل علينا راجماته وصواريخه العابرة للقارات فيدك رؤوس ويزهق النفوس ويشحذ مساميره التي اصبحت هذه الايام كالسهام الماحقة تدمي وتصيب حيث الباطل حقاً والحق باطل في منظور المطير .

من خلال هذه المساجلات المتبادلة بين عدة اطراف ضاعت الحقيقة كالإبرة في بحر هائج اتمنى ان يتعظ الجميع للعمل على رسو القارب الى الساحل من خلال الحقيقة الساطعة التي لا تقبل اي زيف او ادعاء او تضخيم الاحداث والرقص على الحبال لغرض التظليل على هذا الانجاز الشيوعي والشيوعي ابداً الذي يسطع كنور الشمس لأنها دخلت التاريخ من اوسع ابوابه وعليه اتمنى من الرفاق الشيوعيين الذين عاشوا في تلك الفترة من عام 1967 في سجن الحلة ان يبدوا آرائهم حول هذه المهاترات لنصل الى الصواب واليقين.

علي الموصلي 2021-08-15 10:26 AM

رد: سجن نقرة السلمان ذكريات ومآسي
 
قصة النفق والهروب من سجن الحلة المركزي عام 1967
حوار مع المناضل حميد غني جعفر الاسدي (جدو) , ليروي قصة النفق والهروب من سجن الحلة المركزي عام 1967
حاوره - نبيل عبد الأمير الربيعي

http://www.alnoor.se/images/gallery/2014/9/8/12.jpg
سجلَ الشيوعيون العراقيون، وأصدقائهم، منذ اليوم الأول لتأسيس حزبهم في آذار عام 1934 العديد من المواقف البطولية المشهودة، في صراعهم ضد الأنظمة الدكتاتورية والرجعية، دفاعا عن مصالح العمال والكادحين والفلاحين وجماهير الشعب، بالرغم من البطش والإرهاب الذي رافق مسيرة الحزب على امتداد أكثر من ثمانين عاما ، وارتقى بعضهم من الاحداث إلى مستوي الأسطورة ومنها محاولات الهروب لأكثر من مرة ولأكثر من سجن سواء كان سجن نقره السلمان او سجن بعقوبة عام 1956 وعمليات الهروب الجماعي من منطقة بدرة وجصان ،و سجن الفضيلية في بغداد ، و سجن الكوت عام 1956 , كذلك في شباط الأسود عام 1963، وسجن الحلة عام 1967 , الذي استمر العمل والحفر فيه لمدة (58) يوماً ، وهي أحداث لم يطلع عليها جيل الشباب الثوري المنضوي فى صفوف الحزب إلا الجزء اليسير، الغرض من هذا الحوار لتسليط الضوء على صفحة نضالية من صفحات نضال الشيوعيين فى السجون ، هذه الوثيقة المهمة التي يجب أن نزيح عنها الغشاوة ، ونلتقي بمن هم الاهم فى هذآ المجال ممن عايشوا فترة حفر النفق والهروب من السجن للعودة القمة صفوف الحزب والعمل داخله ، ولكسر شوكة النظام الدكتاتوري الذي كان يتبجح بقدرته وقساوته على كسر شوكة المناضلين من خلال حجزهم وراء القضبان ، لأن عمل الرفاق هذا أصبح جرس إنذار لتنامي المد الشيوعي وقدرته على العمل في الزمن الصعب .
من هذآ ننطلق لكتابة وتوثيق تاريخ ومناضلي الحزب سيما أن كثيراً من صناعه لا زالوا علي قيد الحياة ، ولإماطة اللثام عن أسرار مهمة خشية ضياعها بعد أن ضاعت الكثير من الحقائق عن التاريخ المجيد للشيوعيين العراقيين بسبب الظروف التي مر بها الرفاق والحزب ، يؤكد الرفيق والباحث محمد علي محيي الدين " أن تاريخ والحزب أمانه فى أعناق جميع الشيوعيين من اقصى اليمين إلى اقصى اليسار وعليهم الكتابة " ، لتاريخ الحزب العريق الذي تجاوز عمره الثمانون عاماً وهو ما زال شاباً يافعاً يقدم الخير لأبناء بلاد الرافدين ، كان لنا هذا اللقاء مع المناضل حميد غني جعفر الملقب ( جدو) لصغر عمره داخل سجن الحلة وقتذاك ، وأحد المشاركين فى حفر نفق سجن الحلة عام 1967 للهروب نحو طريق الحرية والعودة لصفوف الحزب المناضل من أجل وطن حر وشعب سعيد .
ولد المناضل حميد غني جعفر عام 1943 في البصرة ، عاد والده بالعائلة إلى مدينته الأصلية ومسقط رأسه بغداد - الكاظمية بسبب وفاة الجد (جعفر) ليستقر في بيت أجداده في محلة - أم النومي - والمعروفة - بموسكو - فكانت نشأته وتربيته في الكاظمية ودراسته في مدرسة المفيد الابتدائية في الكاظمية ، كان الأنضمام للحزب الشيوعي العراقي وهو في التاسعة عشر من العمر أي عام 1962 بعد اطلاعه على أدبيات وسياسة الحزب ، ولدوره المهم في حفر نفق سجن الحلة المركزي كان لنا معه لقاء لنتعرف ونطلع على معاناة السجناء السياسيين الشيوعيين وبطولاتهم للتخلص قيد السجن الرهيب ، ولذا أرى انه آن الأوان اليوم لأطلاع الرأي العام والأجيال الجديدة من الشيوعيين العراقيين على إحدى المآثر البطولية للشيوعيين .. وما أكثرها في السجل الطويل والمشرق لحزب فهد وسلام عادل الخالدين أبدا :

· نتمنى أن نعرف بداية العمل , ومتى تم انضمامك لصفوف الحزب الشيوعي العراقي؟
· كان انتمائي للحزب الشيوعي العراقي وأنا في التاسعة عشر من العمر أي عام 1962 وعن طريق الرفيق الراحل - محمد عبد الأمير الدباش - وكان المسؤول الحزبي هو الرفيق الشهيد - جواد أحمد السلطان - شاركت في كل المهمات والفعاليات النضالية التي يكلفنا بها الحزب والتي اتسمت بالنشاط والحيوية في تلك الفترة بحيث يكاد لا يمر يوم دون فعالية نضالية ابتداءً من توزيع بيانات الحزب بصورة علنية , ثم المشاركة في المظاهرات المستمرة للمطالبة بالسلم في كردستان ، ويشرفني إني لم أتخلف عن أية مهمة أو فعالية نضالية حتى كان انقلاب الثامن من شباط الفاشي الدموي وشاركت مع رفاقي في المقاومة الباسلة للانقلاب الأسود ، وبتوجيه من الحزب كنت قد شاركت بإذاعة بيانات الحزب - يوم الإنقلاب - من جامع الأمير بعد كسر باب المسجد واستخدام جهاز المايكرفون لإذاعة البيانات والنداءات الحماسية الداعية لمقاومة الانقلاب ، كان معي الرفيق سامي احمد السلطان وأخيه الرفيق حسن والرفيق الراحل عبد الوهاب المنذري ، ثم وبتوجيه من الحزب اتجهت إلى مركز شرطة الكاظمية وشاركت مع الرفيق الشهيد سعيد متروك ورسول محمد أمين والرفيق الراحل محمد أمين الأسدي ، وبعد عملية احتلال المركز تم اعتقال كافة الشرطة ورجال الأمن بعد تجريدهم من السلاح ثم كسرنا مشجب السلاح لتوزيعه على رفاقنا المقاومين ومن بينهم الشاعر مظفر النواب وحمدي أيوب والملازم الشهيد خزعل السعدي وغيرهم كثيرون .

· متى تم الاعتقال بعد سيطرة الانقلابين على السلطة؟
· اعتقلت في اليوم الأول للانقلاب مع الرفيق المنذري أي - 8 - 2-1963 - وحكمت بالأشغال الشاقة المؤبدة ثم أرسلت مع رفاق الكاظمية إلى سجن نقرة السلمان ، ثم نقلت إلى سجن الحلة المركزي أواسط العام 1966 بعد أن قضيت ما يقارب الثلاث سنوات في سجن نقرة السلمان , ومن هناك اختارتني المنظمة التي يقودها الراحل حسين سلطان إلى مهمة حفر نفق سجن الحلة وتمت عملية الهروب في ليلة الذكرى الخمسين لثورة أكتوبر الاشتراكية أي ليلة - 6 - 7 - تشرين ثاني 1967.

· هل كانت هنالك محاولة هروب آخرى قبل محاولة الهروب من سجن الحلة عام 1967؟
· كنت معتقل فى مركز شرطة الكاظمية أواسط حزيران من عام 1963 وردتني رسالة من الرفيق المرحوم فائق جواد الخياط يستفسر فيها عن عدد الرفاق الشيوعيين المعتقلين ويتساءل عن إمكانية الهروب للمشاركة معنا ولم يذكر تفاصيل أخرى سوى التأكيد على ان تكون العملية قبل - 1 - 7 - 1963، وغمرتني الفرحه الكبرى بان رفاقنا يواصلون نضالهم بهمة وشجاعة منقطعة النظير ويتحدون الطغيان الفاشي، وتدارست الرساله مع عدد من الرفاق الجيدين الصامدين واتفقنا علي انة توجد إمكانية للهروب ، إذ أن هناك داخل ساحة الموقف - الهول - ممر ضيق وفي نهايته باب صغير من الخشب وهو مقفل من الداخل ولا توجد حراسة عليه ، ويطل الباب على شارع فرعي بجانب المركز - من جهة اليسار - وساحة الموقف مخصصة للموقوفين العاديين وكذالك الممر الضيق هو الآخر ينزل فيه العاديون أيضا وليس لنا بهم من صلة ، وتلك هي المشكلة التي واجهتنا لكن ولحسن الحظ كان لأحد رفاقنا علاقة صداقة مع أحد هؤلاء النزلاء العاديون، وكان هذا الموقوف - العادي - شقيق لأحد رفاقنا - خارج المعتقل - والمدعو - علي قديفجي - وهو ينزل في الممر قرب الباب المذكور وقد اتفق معه - رفيقنا مهدي السيد نور - على توفير المستلزمات المطلوبة وكانت بسيطة (منشار صغير ودرنفيس وقالب صابون رقي) لغرض وضع الصابون على المنشار عند قطع القفل - كي لا يظهر صوت - واتفقنا على تنفيذ العملية في الساعة الثانية بعد منتصف الليل ، حيث يخلد الجميع الى النوم ، وفي الموعد المحدد من تلك الليلة وكانت أواخر حزيران ، تسلل الرفاق كل من (مهدي السيد نور، رشيد عبود متروك، وأنا) الى الممر لمساعدة الصديق - علي قديفجي - في تنفيذ العملية ، وإذا بأحد الموقوفين العاديين النائمين أو هكذا كان يبدو لنا فى ساحة الموقف ينهض من فراشه ويصرخ بأعلى صوته ... شرطة ... شرطة ...الشيوعيين يريدون ينهزمون حتي عدنا وبسرعة البرق الخاطف الى فراشنا , بحيث دخل افراد الشرطة إلى غرفتنا فلم يلاحظوا شيئا , وكان الهدوء والسكون التام يخيم على غرفتنا فوجد الشرطة الجميع في حالة نوم عميق حتى ظنوا بأن هذا الموقوف الذي ناداهم والذي يدعى - مجيد - ويكنى - قنبلة - كان يغط في حلم عميق فلم يصدقوا به حتى صفعه احد افراد الشرطة على وجهه وشتمه ، وهكذا وللأسف الشديد فشلت ولم تسنح لنا المحاولة الفرصه للمشاركة ونيل الشرف العظيم فى حركه حسن سريع بعد أن عرفنا عن انطلاقها فى الأول من تموز 1963، هذه الحركة الثورية كما لم يتسع لنا الوقت لتكرار المحاولة حيث نقلنا إلى الموقف العام في الباب المعظم - وزارة الصحة حالي- . بعد عام ونصف من الاعتقال والتنقل بين مركز شرطة الكاظمية ومركز شرطة الوشاش والموقف العام في باب المعظم ومعتقل خلف السدة ومواجهتنا لأبشع أساليب التعذيب الهمجية التي تفوق التصور ، تم تسويق أبناء الكاظمية الذين يربو عددهم عن المائة مناضل الى المجلس العرفي العسكري الأول في معسكر الوشاش برئاسة محمد نافع احمد بدعوى مقاومة انقلاب الثامن من شباط الأسود عام 1963.

· متى بدأت محاولاتكم الأولى وساعة الصفر للشروع بحفر النفق في سجن الحلة؟
· كان سجن الحلة يحتوي على قلعتين كبيرتين , القديمة وتسمى الوسطى والجديدة ، وضمت القلعتان المئات من المناضلين الوطنيين من شيوعيين وديمقراطيين تقدميين ومن مختلف الطيف العراقي ، وحين وصولي للسجن نسبت إلى القلعة الجديدة وفي الردهة الأولى ، وتم التعارف بيني وبين المنظمة الحزبية في السجن التي يقودها نصيف الحجاج ، وجرى تكليفي بالعمل في لجنة إعداد النشرة الإخبارية اليومية والتي كانت تقرأ صباح كل يوم على السجناء ، وكانت غرفة الإخبار تقع في بناية صغيرة منعزلة تحتوي على خمس غرف صغيرة ، اثنان على جهة اليمين واثنان على جهة اليسار أما الخامسة فكانت في العمق وبابها قبالة ساحة القلعة ، ويبدو إنها كانت مستشفى للسجناء وتم الغائها فيما بعد ، وتم استخدام ثلاثة منها لنزول السجناء وواحدة لإعداد النشرة الإخبارية والأخرى التي في العمق صيدلية لمعالجة السجناء . استقبل سجن الحلة في نيسان من العام 1967 حسين سلطان عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي منقولاً من سجن نقرة السلمان ، وانضم فور وصوله إلى المنظمة الحزبية التي تتكون من (نصيف الحجاج وكمال شاكر ومحمد ملا كريم وحسين ياسين) ورفيقا آخر لا يحضرني اسمه ، وكان الرفاق الثلاثة الأوائل على وشك انتهاء محكوميتهم وما أن مضت فترة وجيزة على مجيء حسين سلطان - أبوعلي - حتى انتهت محكوميات الرفاق الثلاثة وأطلق سراحهم ، ثم تسلم مسؤوليتها فيما بعد الرفيق حسين سلطان وانضم إليهم أيضا الشاعر مظفر النواب وحافظ رسن .

· هل كان للمنظمة الحزبية في سجن الحلة المركزي دور في توجيه الرفاق داخل السجن بالالتزام والتعاون في حفر النفق؟
· كان لدور المنظمة الحزبية في إدارة شؤون السجناء وحياتهم اليومية بكل مفاصلها وخضوع الجميع بلا استثناء لطاعة المنظمة والالتزام بكل توجيهاتها وقراراتها ، بحيث لا يمكن لأي رفيق مهما كانت شخصيته أو درجته الحزبية القيام بأي عمل أو تصرف مهما كان صغيرا دون علم وموافقة المنظمة إدراكاً منهم بأن المنظمة تمثل الحزب وان احترامهم وطاعتهم لها هو احترام وطاعة للحزب الذي وهبوا حياتهم لأجله ، فهم قد تربوا في المدرسة الوطنية الكبرى الحزب الشيوعي العراقي وإيمانا منهم بمبدأ القيادة الجماعية المتجسدة بقيادة الحزب . إذن لا يمكن أن يكون هروب فردياً أو جماعياً دون علم المنظمة الحزبية وموافقتها وهذا يدركه جيدا كل المناضلين في السجون , وعلى هذا فإن عملية هروب كبرى مثل عملية حفر نفق وهروب جماعي من سجن الحلة المركزي عام 1967 ليست إلا من صنع الحزب الشيوعي العراقي تخطيطا وتنفيذا ، وليس من أية جهة أخرى إطلاقا ، كما يزعم البعض في محاولة لإبراز عضلاته على انه المخطط والمنفذ للعملية يسعى لتهميش وإلغاء دور المخطط والمنفذ الحقيقي ، باستغلال الظروف القاهرة والقاسية التي مر بها الحزب حيث ظلت الحقيقة غامضة عن الشارع العراقي وحتى على الكثير من الشيوعيين طيلة هذه الفترة العصيبة من تاريخ الحزب ، بفعل سياسة القمع البوليسي وانعدام حرية الفكر والرأي وحرية الصحافة والنشر إضافة لعدم وجود شبكات الانترنت فقد ظلت الحقيقة حبيسة، وأرى أنه آن الأوان لكشف الحقيقة بأمانة وصدق ، لقطع الطريق على المتقولين والأدعياء ، حفاظا على تاريخ الحزب الناصع المشرق لأنه أمانة بأعناقنا ولن نسمح بالتشويه والتزوير لتاريخ الحزب العريق.

http://www.alnoor.se/images/gallery/2014/9/8/13.jpg
· مَن الرفاق مِنَ صاحب فكرة حفر النفق من سجن الحلة والهروب المركزي؟
· من هنا أرى لزاما عليَّ أن أبين الحقيقة بضمير نقي وبصدق وأمانة الشيوعي المعهودة
, نتحدث عن كيفية بدا العملية ومن هو مصدر الفكرة ، إن فكرة الهروب لابد أن تراود كل مناضل ثوري وهو أمر طبيعي جداً ، وعلى هذا كانت المنظمة الحزبية التي كان يقودها - نصيف الحجاج - تفكر بعملية الهروب الجماعي من موقع - المطبخ - في القلعة القديمة واختارت الشخوص المنفذين للعملية , وبدأت العمل بصنع حاجز خشبي يحجب الرؤيا عن ربية الحراسة فوق السطح - قبالة المطبخ - ، وكان هذآ فى نيسان من العام 1967 قبل مجيء الراحل حسين سلطان منقولا من سجن نقرة السلمان إلى سجن الحلة وذالك في أواسط نيسان من العام ذاته 1967, وبعد إطلاعه على الفكرة ، من قبل المنظمة الحزبية ، وجد فيها مخاطر كبيرة وجدية بفعل موقعها قبالة ربية الحراسة , وقد كان حسين سلطان يحمل مشروعا جديد للهروب الجماعي أيضاً , ولكن من موقع آخر أكثر أمانة وضمانة من الموقع الأول ، وهو غرفة الصيدلية داخل القلعة الجديدة وكان الراحل سلطان قد أخذ فكرة هذآ الموقع من الصيدلية من رفيق كان معة فى سجن نقره السلمان، وكان هذا الرفيق يدعى - سالم - سجيناً في سجن الحلة عام - 1964 .

· من هم المجموعة التي قامت بحفر النفق ، ومن هم المشرفين عليه من سجناء منظمة الحزب؟
· اقتنعت المنظمة الحزبية بمقترح حسين سلطان الذي كان يقودها الرفيق نصيف الحجاج ، وتم الاتفاق على إلغاء فكرة الهروب من الموقع الأول ، والبدء بالعمل من الموقع الثاني وهو الصيدلية في القلعة الجديدة ، وتم اختيار الرفاق المنفذين الأربعة وكنت احدهم , إذ ابلغني حسين سلطان شخصياً بهذه المهمة المشرفة واختار أيضا الملازم فاضل عباس ونحن الاثنين من الكاظمية والاثنان الآخران عقيل عبد الكريم حبش من الناصرية وكمال ملكي من الموصل ، وللأمانة أن اذكر أن عقيل وفاضل كانا قد اختيرا للعمل من الموقع الأول أي المطبخ وعملا فيه فعلا ، والأربعة المذكورين هم فريق التنفيذ ، أما فريق الأشراف كانوا ثلاثه وهم الشاعر مظفر النواب وحافظ رسن وحسين ياسين.

· ما هي واجباتكم داخل السجن، وكيف تم ترتيب وقتك بين الواجب وعمل حفر النفق؟
· كنت أقوم إضافة لعملي في لجنة إعداد النشرة الإخبارية ، كان عملي الآخر فى الكشك لبيع المشروبات الغازية والحليب ، و كنت أقرأ النشرة الإخبارية صباح كل يوم في القاووش رقم واحد الذي كنت نزيل فيه , وكذالك أساعد الرفيق حسين سلطان في قراءة أدبيات الحزب أو البريد الحزبي داخل القاعات والغرف التابعة لمنظمتنا ، ثم كنت أعمل ليلا مع الرفاق المكلفين في حفر النفق.

· متى بدأ عملكم الفعلي بحفر النفق داخل سجن الحلة المركزي؟
· بدأت عملية حفر النفق فى أوائل تموز من العام 1967 , وكان عملنا بشكل يومي وعلى مدى ساعتين فى اليوم بسبب شدة الحر وخلو الهواء من الأوكسجين وضيق التنفس تحت الأرض ، ومن اهم الصعوبات والمعوقات التي واجهتنا هي كيفية تسريب وإخفاء التراب ، وقد استخدمنا أكياس السكر أو الطحين لتكديس التراب فيها حتى امتلاء محيط الغرفة بأكياس التراب ، وكان العمل يجري بشكل منتظم والتزامات صارمة وسرية تامة ، وتفانٍ لأنجاز المهمة.

http://www.alnoor.se/images/gallery/2014/9/8/14.jpg
· هل هنالك اتصال بين منظمة السجن ومنظمة الحلة وقيادة الحزب لتقديم المساعدة على الهروب؟
· كان حسين سلطان علي صلة وثيقة بالتنظيم الحزبي خارج السجن , كانت تلك الصلات والمراسلات بينه وبين قياده الحزب حول هذآ الموضوع ، كانت محلية بابل على علم مسبق بعملية الهروب ، وقد هيأت المستلزمات الكاملة لإنجاحه ، فقد أرسل حسين سلطان صبي للحزب عن طريق أحد الرفاق رسالة يطلب فيها تهيئة المستلزمات اللازمة لإنجاح العملية ، وتهيئة السبل الكفيلة بإخفاء الهاربين ، ولكن حدوث الانشقاق الكبير وخروج جماعة القيادة المركزية عن الحزب ، ادي لحدوث خلافات بين المعتقلين المشاركين بالعملية . عند زياره الرفيقة آبلة الشيخ الى السجن لمواجهة أخيها عزيز الشيخ وطلبت اللقاء بحسين سلطان ، أكدت على أن منظمة الحلة للحزب لا يستطيعون إيواء الهاربين من السجن في المدن بل توجد إمكانية لإيوائهم في الريف ، كما أكدت على إمكانية المساعدة المادية في المواجهة الثانية.

· بأية وسائل تم حفر النفق وكيف بدأتم؟
· تم حفر النفق بأدوات بسيطة وبدائية حصلنا عليها من خلال عملنا في السجن ، منها ملاعق و قلم حديد و فأس صغير .

· كم كان طول النفق ، وهل هنالك من الرفاق من ساعدكم باحتساب مسافة طول النفق عن مكان الخروج ، وانا عرفت ان هنالك كان كراج لنقل المسافرين بجانب السجن وكانت النية بالخروج والهروب منه؟
· كان طول النفق ( 17 )مترا أما الارتفاع ( 70-75 ) سم ، و العمل يجري بشكل منتظم وبالتزامات صارمة وسرية تامة وتفان لانجاز المهمة ، وليس هناك أي تفكير أو نوايا سلبية ، وكانت الروح الرفاقية الشيوعية هي السائدة بيننا , وقد واجهنا مواقف خطيرة كادت تعصف بأحلامنا وآمالنا لكن وحدة الإرادة والتماسك الرفاقي تمكنا من تحقيق الهروب .

· هل توقف العمل في حفر النفق، وهل واجهتكم مشاكل مع الرفاق في السجن؟
· ظلت روحية التعاون السامية هي السائدة بيننا ، حتى أواخر أيلول من عام 1967 حيث أعلن الانشقاق الكبير والخطير في الحزب , والذي قاده عزيز الحاج أو ما يسمى بالقيادة المركزية ، فكانت الكارثة إذ انقسم الحزب وتمزقت وتشتت تنظيماته وأضعفته أمام العدو، وكان لهذا الانقسام والتمزق انعكاساته المباشرة بطبيعة الحال على السجناء السياسيين في جميع السجون العراقية ومنها نحن في سجن الحلة ، في وقت كان فيه العمل في النفق على وشك نهايته ، وقف السجن على قدميه في نقاشات ساخنة حادة من الصباح حتى ساعات متأخرة من الليل , واحتدمت المناقشات وتحولت إلى صراعات ومشاجرات اتسمت بالعنف في كثير من الأحيان , وبفعل تلك المشاحنات والتوترات العصبية توقف العمل في النفق ، وسادت الفوضى العارمة في السجن , وغابت الروح الرفاقية , و إزاء هذه الفوضى العارمة وحالة الانفعالات والتوترات العصبية ، اتخذت المنظمة الحزبية بقيادة حسين سلطان قرارا بإجراء استفتاء عام لكل السجناء , وتحديد موقف كل منهم بحرية وقناعة تامة في أن يكون الرفيق مع الحزب ولجنته المركزية أو مع المنشقين ، وكان قرارالاستفتاء من قيادة المنظمة قد وضع حدا للصراعات والمهاترات ، وعاد الهدوء إلى السجن بعد أن انقسمت المنظمة الحزبية الواحدة إلى منظمتين ، وعلى النحو التالي: منظمة الحزب اللجنة المركزية (حسين سلطان ، لطيف حسن الحمامي، عبد الأمير سعيد، جميل منير - حميد غني جعفر) أما المنظمة التي تمثل القيادة المركزية "المنشقين" فهي (الشاعر مظفر النواب، حسين ياسين، حافظ رسن) وبسبب وقوفي مع الحزب مما أثار غضب واستياء المجموعه ضدي ، حتى بذل حسين ياسين عدة محاولات لإقناعي بالانضمام إليهم فرفضت , ولذلك حاول المنشقون إبعادي عن عملية الهروب بأي طريقة . وبعد عودة الهدوء واستتباب أوضاع السجن ، جرى الاتفاق بين منظمة الحزب والمنشقين على العودة إلى العمل في النفق وانجاز ما تبقى منه وكان المتبقي بحدود ثلاثة أمتار , وكان ذالك في أوائل تشرين الأول عام 1967.

· من خلال صغر مكان العمل فى النفق تتكدس كمية كبيره من التراب ، كيف يتم التخلص منها ، وما هي المشاكل التي واجهتكم أثناء حفر النفق؟
· هنالك عقبات ومعوقات كبيره ومنها هو كيفيه التخلص من التراب المستخرج من النفق , فالغرفة صغيرة لا تستوعب كميات التراب ، لأن الضلع من جهة اليسار فيه فوهة النفق والضلع الثاني هو باب الصيدلية الرئيسي ومنها الدخول والخروج بقي ضلعان فقط احدهما امتلأ بالتراب حتى السقف أما الضلع الآخر من جهة اليمين فقد صنعنا له صندوق كبير من الخشب و الفايبر، وكدسنا فيه التراب وظلت هذه المشكلة تواجهنا فترة حفر النفق ، وطرحت على حافظ رسن الذي كان على اتصال يومي بحسين سلطان ليزوده بتقرير شفهي عن آخر التطورات وما يواجه العاملين بالنفق من معوقات ، وتم التنسيق بينهما والاتفاق على الطلب من إدارة السجن ومن خلال ممثل السجناء على جلب ثلاثة أحمال من التراب لاستعمالها في تحصين سقف كابينة المقهى والمكوى لقرب حلول موسم الشتاء , وكان ذالك لغرض التمويه على إدارة السجن والتخلص من التراب , وقمنا فعلا بجلب التراب أنا وكمال وفاضل إلى المقهى في وضح النهار ، وبعد أن خلد الجميع إلى النوم ، قمنا بنقل التراب من النفق إلى المقهى بترتيب خفارة ليلية فاضل وعقيل ساعة وحسين ياسين وجدو ساعة أخرى ، لكن معضلة التراب ظلت قائمة فقمنا بملء العلب الفارغة من التايد أو الحليب ورميها في حاويات الأوساخ لينقلها المنظفون صباح كل يوم خارج السجن في الأماكن المخصصة للقمامة . وكانت وحدة الإرادة والعمل الجماعي والروح الرفاقية والتفاني ونكران الذات، كفيلة بتذليل كل الصعاب والمعوقات , وكنا نتدارس سبل معالجة تلك المعوقات ونطرحها على حافظ رسن وبدوره ينقلها إلى حسين سلطان ، وكنت أشاهدهما يلتقيان يوميا ويأخذان الساحة ذهاباً وإياباً ليناقشا الأمور ليجدان الحل الملائم لها ، بهذه الروحية المتفانية كان يجري العمل حتى أواخر أيلول من العام 1967 , وبحدوث الانشقاق غابت الروح الرفاقية وتغلبت الأنانية وحب الذات كما أوضحنا، لكن العمل هذه المرة لم يكن بذات الروحية الشيوعية التي كنا قد بدأنا بها قبل الانشقاق فقد تغيرت تماماً وتناسى العاملين للأسف شيوعيتهم وباتت النزعات الأنانية وحب الذات والتعامل بروحية - الند للند - وتعرضت للكثير من الضغوطات والمضايقات بهدف إبعادي عن عمل حفر النفق , وتضجرت من ذلك حتى أخبرت الرفيق حسين سلطان مسؤول المنظمة بالأمر ، فأشار علي بضرورة التحلي بالصبر وأني في مهمة حزبية ويجب مواصلة العمل سيما وأنه أوشك على نهايته ، والتزمت برأي حسين سلطان و واصلت العمل ، لقد كانت قيادة أبو علي للمنظمة تتسم بالضبط الحديدي والدقة في تنفيذ لكل مهمات الحزب وتوجيهاته , وكان يحظى بتقدير واحترام كل السجناء.

· هل تم تفتيش قاعات السجن من إدارة السجن كروتين دوري ، أم بسبب علاقاتكم الطيبة مع إدارة السجن كانت تبتعد عن أهمية التفتيش للقاعات؟
· ذات يوم شديد الحرارة فوجئنا بزيارة مدير السجون العامة ، وبعد لقاء لجنة التنظيم معه ، وطرح مطالب السجناء إليه , رفض تلك المطالب وقام بجولة يستطلع فيها أوضاع السجن ، و بصحبه مدير السجن والمأمور وعدد من الحراس ، وعلى غير العادة المتبعة لم يرافقه ممثل السجناء ، و ابتدأ جولته من القلعة الوسطى ثم جاء إلى القلعة الجديدة واتجه إلى الممر الذي تقع فيه غرفة النفق ، وكنا نراقب بقلق شديد ما سيحدث خشية أن يطلب فتح باب الصيدلية فتقع الكارثة وتضيع كل الجهود وتتبدد الآمال في الالتحاق بالحزب ، كانت لحظات من الفزع والخوف ، وما إن لمست يداه القفل على الباب ، حتى كدت اصرخ , لكني تماسكت وكان بجانبي فاضل الذي كان بصراحة أكثر تماسكاً مني ، وسأل المدير مرافقيه عن الغرفة، فأجابه احدهم إنها غرفة تواليت مهجورة فرفع المدير يديه عن القفل وعاد من حيث أتى فكانت فرحة لا توصف غمرت الجميع وكأننا كنا في حالة اشتباك مع العدو وتحقق لنا نصرا عظيما ، ومن فرط فرحتي ناديت السجناء المتواجدين في الساحة وقلت : تعالوا اشربوا الشاي على حسابي، ولم يدرك السجناء سر فرحتي .

· هل تستطيع أن تحدد بالضبط الفترة التي استغرق فيها حفر النفق؟
· انتهى العمل في حفر النفق في نهاية تشرين الأول عام 1967 واستمر العمل لمدة (58) يوماً ، علماً تقديرات السلطة كانت بعد هروبنا واكتشاف آمر النفق بـ(9) أشهر وأن يكون العمل ليل نهار لإتمام الحفر.
· متى تم الانتهاء من حفر النفق ، وكيف تم الاتفاق على الهروب؟
· في نهاية في نهاية تشرين الأول عام 1967 إنتهى العمل فى إكمال و حفر النفق وفى زياره أخي حسين للسجن قبل هروبي بعشرين يوماً طلبت منه أن يجلب لي بعض الحاجيات الضرورية (دشداشة وسترة وحذاء رياضة) مما أثار استغرابه بشكل واضح وقال :
أنت بالبيت متلبس دشداشة ... . شلك بيه ... ولك شغلة الدشداشة مو خالية ....
فأجبته على الفور: مو الدشداشة أروح من البجامة والحذاء أريده للرياضة الصباحية ....
ولم يكن مقتنعاً بما قلته له ، لكنه قد لبى كل طلباتي ، والحقيقة كانت هذه الطلبات باتفاق مع حسين سلطان ، لأني كنت قد أخبرت أبو علي بأني لا اعرف احياء الحلة ولا شوارعها , ولم أراها من قبل , فأين أتوجه عند الهروب ، فقال لي حسين سلطان :
لا عليك سأكون بانتظارك عند الخروج في باب الكراج لأصطحبك معي إلى الريف ، ولذا كانت الدشداشة والسترة هي المناسبة لوضع الريف ، وفي هذه الفترة كنا قد بلغنا بالعمل في النفق نهاياته ، فقد أصبحنا على مقربة من الكراج الملاصق لسياج السجن الرئيسي ، بعد أن تركنا مقدار طابوقتين أو ثلاثة وهي الفوهة التي تتسع لعبور شخص ، وتوقف العمل لحين ورود إيعاز من الحزب .

· هل كان هنالك تنسيق مع منظمة الحلة لترتيب مستلزمات عملية الهروب؟
· كانت منظمتنا الحزبية على اتصال دائم مع منظمة الحلة - محلية الحلة - وكان من المتفق عليه بين منظمة السجن والمحلية، بأن تقوم المحلية بتهيئة المستلزمات الضرورية لتسهيل عملية الهروب , ومنها تهيئة سيارات من داخل الكراج لنقلنا إلى مكان يختاره الحزب , ولم يكن لنا علم بهذا المكان ، ولكن ووفقاً لما قالته الرفيقة وابلة الشيخ لحسين سلطان من أن الحزب يستطيع إيواء الهاربين في الريف ، ولا يستطيع إيواءهم في المدن ، وعلى أن تكون السيارات بحماية عدد من الرفاق من تنظيم الحلة ، على هذا الأساس توقف العمل ولم يكن هناك أي موعد متفق عليه بين مجموعة العاملين في النفق مع منظمتنا الحزبية , لكن الذي اتضح إن المنشقين قد استغلوا فترة توقف العمل ليواصلوا العمل بمفردهم ومن وراء ظهر منظمتنا ودون علمي كشريك في العملية ، إذ قاموا برفع الطابوقتين أو الثلاث ، وقاموا بتغليف النفق بالبطانيات وبسحب سلك كهربائي إلى داخل النفق للإنارة وهذا ما كنا قد اتفقنا عليه مسبقاً ، واتضح لنا هذا الأمر في هذه الليلة الحاسمة ، وعندما أوشك العمل على نهايته حدثت بعض الإشكالات والألتباسات التي توقف العمل بسببها لفترة شهر ، ثم عدنا لأنجاز العملية وقمنا بتغليف ارض النفق والسقف بالبطانيات كي لا يظهر اثر للتراب في ملابسنا - عند الزحف داخل النفق - والخروج من فوهة النفق إلى مرأب السيارات وكانت عملية الهروب في ليلة تاريخية هي ذكرى اليوبيل الفضي لثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى ليلة 6-7 تشرين ثاني عام 1967.

· هل حدث خلاف بين الرفاق السجناء داخل السجن لكيفية الخروج من السجن إلى الحرية؟
· هذه الليلة التي أسميناها "بالحاسمة" لأنها كانت مفاجئة لنا ولمنظمتنا الحزبية التي كانت تتهيأ مع كافة السجناء للاحتفال بالذكرى الخمسون لثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى التي اعتاد السجناء السياسيون من شيوعيين وتقدميين الاحتفاء بها وتمجيدها كل عام فهي من التقاليد الثورية ، وفي غمرة الاستعداد للاحتفال بهذه الليلة المجيدة ، لم يدور في خلد أي منا أن يحدث ما حدث في تلك الليلة ، إذ لم يكن هناك أي اتفاق أو موعد محدد مع منظمتنا ، أو بين منظمتنا ومنظمة المنشقين على تنفيذ عملية الهروب ، وكان الجميع بانتظار الإيعاز من الحزب أو محلية الحلة التي كانت تتهيأ لتسهيل عملية الهروب عبر خطة دقيقة ، يمكن من خلالها خروج اكبر عدد من السجناء ، لكن الذي اتضح أن المنشقين كانوا يخططون بمفردهم وحددوا هذه الليلة للهروب لوحدهم من وراء ظهر منظمتنا ، واستخدموا أساليب ملتوية بهدف إبعاد النظر عما يخططون ، إذ جاء صباح يوم 6 / 11 حافظ رسن لحسين سلطان وابلغه بأنهم "المنشقين" سيعقدون اجتماع لهم في القاعة الكبيرة رقم (7) المحاذية لغرفة الصيدلية ، فأجابه أبو علي أنه أمر يخصكم ، وبعد سويعات من صباح ذالك اليوم جاء مظفر النواب ليطلب من أبو علي أيضاً الأسماء المستعارة للرفاق الذين تقرر هروبهم لتثبيتها في هوياتهم على أن يأتي صباح اليوم التالي لاستلامها ، بهذه الأساليب الملتوية حاولوا إبعاد النظر.

· كيف عرفتم بأن المنشقين يحاولون استغلال النفق للهروب بدون علمكم؟
· قبل ساعة من تنفيذهم للعملية ، افتضح أمر المنشقين عن الحزب (القيادة المركزية)، حيث كنت أقف في الكشك لمزاولة عملي لبيع المشروبات الغازية عصر ذلك اليوم السادس من تشرين ثاني ، شاهدت عناصر من المنشقين - من القلعة القديمة - وهم يدخلون القلعة الجديدة ويتجهون إلى القاعة رقم (7) المحاذية لغرفة الصيدلية ، ويحمل كل منهم بيده رزمة أأو تسمى بلهجتنا الدارجة (بقجة) من القماش وكان عددهم بين 12-15 شخصاً وفي مقدمتهم حافظ رسن والشاعر مظفر النواب وحسين ياسين وعقيل حبش وفاضل وأخرون ، كما وشاهدت شخصاً يقف في باب القاعة ، وفجأة انقطع التيار الكهربائي لحظات ، ثم عاد مرة أخرى ، هذه المشاهد الثلاث (البقجة - انقطاع التيار الكهربائي - وقوف شخص في باب القاعة) لفتت نظري وبقيت أراقب هذه الحركات المريبة ، وتبادر إلى ذهني الشك سيما بعد انقطاع التيار الكهربائي ، واتجهت مسرعا إلى حسين سلطان الذي كان هو الآخر ؟ في الساحة يراقب هذا التحرك ، وأخبرته بخطورة الموقف , فقال لي أبو علي محذراً:
(جدو) هل أنت متأكد مما تقول من هذا الكلام الخطير .
فقلت له : نعم , وإلا لماذا قطع التيار الكهربائي يقيناً إنهم سحبوا السلك الكهربائي إلى داخل النفق , والبقجة بأيديهم بالتأكيد يخفون فيها ملابسهم التي يخرجون بها ، ثم قال:
تذكر يا رفيق انك ستكون المسؤول أمام الحزب إذا ظهر خلاف ذالك ,فأجبته على الفور وبقناعة تامة: نعم أنا المسؤول ، فأشار عليَّ أبو علي بحمل شيش من الحديد كان في الكشك استخدمه لكسر الثلج وتوجهت به إلى باب الصيدلية الرئيسي لكسر القفل , أما حسين سلطان (أبو علي) فقد ظل واقفاً في الساحة أمام الممر وإلى جانبه الرفيقين صاحب الحميري وعبد الأمير سعيد لمراقبة الموقف ، وقبل أن أضع الشيش في القفل ، استرق السمع من خلف الباب للتأكد من الحقيقة فسمعت وقع خطوات بطيئة وحذرة وصوت همس يقول :
هل الإنارة جيدة ؟ أيقنت ساعتها أن المنشقين يغدرون بنا وناديت من خلف الباب بصوت منخفض على حسين ياسين قائلا له :
هل هذه هي الأمانة الحزبية التي تربيت عليها ؟ .. الغدر برفاقك , وهنا رفعت القضيب الحديدي (الشيش) لكسر القفل ، وإذا بشخص يحاول أن يجذبني ويأخذ الشيش من يدي و يبدو انه مكلف من المنشقين بحراسة باب الصيدلية ، وتشابكت الأيدي كل منا يحاول جذب اآخر إليه ، وأخيراً انتصرت عليه بجذب الشيش وطرحته أرضا وقبل أن أسدد له الضربة كان الثلاثة "ابو علي وصاحب الحميري وعبد الأمير سعيد" قد جاءوا مسرعين ومنعوني من ضربه إذ كانوا في الساحة يراقبون الموقف ، وعندما شعر حسين ياسين بافتضاح أمرهم ويبدو أنه سمع أصوات مشاجرتنا فناداني بصوت خفيض ومرتعش من خلف الباب قائلا :
جدو جدو ... تعال هنا نتفاهم ، فأجبته :
ليس لي تفاهم معكم , التفاهم مع الحزب , وكان جوابي هذا إلى حسين ياسين.

· كيف تم الاتفاق مع المنشقين على ساعة الهروب بعد أن ظهرت المشاكل في المنظمة الحزبية؟
· أوعز حسين سلطان للرفيقين الحميري وسعيد باتخاذ اجراءات احترازية لأن القضية أصبحت مكشوفة أمام السجناء , وطلب منهما الوقوف في باب القلعة ومنع خروج أو دخول أي من السجناء خشية تسريب خبر النفق إلى إدارة السجن ، فتضيع كل الجهود سدى إضافة لما قد يتعرض له السجناء من أذى ، ثم دعاني أبوعلي للذهاب معه إلى القاعة الكبيرة التي يجتمع فيها المنشقون بعد خروجهم من غرفة النفق ، وكان هناك الشاعر مظفر النواب وحافظ رسن وحسين ياسين وآخرون ، كانت الوجوه متجهمة غاضبة ومرتسمة عليها الانفعالات والتوتر العصبي ، وبدأ الكلام أبو علي وبكل هدوء قائلا:
رفاق نحن جميعا مناضلون شيوعيون وإذا انقسم الحزب اليوم , فلابد أن يتوحد غداً وتجارب الحزب غنية بهذا الشأن ، وهنا انبرى مظفر النواب مقاطعا بانفعال وعصبية شديدة قائلا :
لا .... لا .... انتم يمين ورفع يده اليمنى إلى الأعلى , ونحن اليسار ورفع يده اليسرى , ولا يمكن أن نلتقي أبدا , ولا اقصد هنا الإساءة لشاعرنا الكبير الأستاذ النواب فهو صديق عزيز وأكنَّ له كل التقدير والاحترام فأنا على اتصال وتواصل معه ، وقد أكد هذا الرجل إصالته كمناضل ثوري وما زال يحمل هموم شعبه ووطنه ويعيش قسوة الغربة ، والمهم أن أبو علي قد شعر أن لا جدوى من النقاش بمثل هذا الجو من التوتر والانفعال وليس هناك متسع من الوقت في إطالة الحديث بسبب خطورة الموقف إذ أصبح مكشوفا أمام السجناء ، فاستدرك أبو علي قائلا :
المهم الآن إن نتفق على كيفية تنظيم عملية الهروب ، فأجابه النواب:
واحدا منا وواحد منكم ، فأجابه أبو علي :
إذا كان هذا رأيكم فلا باس، ولكن يجب أن لا يكون الأول منكم فاستغرب النواب كلام أبو علي واستدرك قائلا :
من الأول إذن؟ أجابه أبو علي: الأول جدو , مشيرا بيده لي ، فوافق النواب ، لكني في الحقيقة رفضت أن أكون الأول احتراماً وتقديراً لأبو علي كونه أكبر مني سنا ثم أنه عضو لجنة مركزية وحاجة الحزب إليه اكبر فقلت له:
لا ... أنت الأول وبعد هذا الحوار الساخن المتوتر ، تم الأتفاق على العشرة الأوائل خمسة منا وخمسة منهم وبالتناوب ، أي واحد منا وواحد منهم ، وبدأنا التهيؤ للأنطلاق، وأعطاني أبو علي مبلغ خمسة دنانير ، وهكذا تم التنفيذ بما اتفق عليه فكان أبو علي قد خرج الأول ثم تبعه النواب ومن بعده (جدو) وهكذا وبعد خروج المجموعة الأولى ، حدث الهرج والمرج والتدافع والتسابق بين السجناء ، حتى علمت إدارة السجن أخيرا من حارس الكراج ، كان الحارس خائف من خروج الأشباح أم الجن من حفرة الكراج ، فصاح بصوت علي شرطي المرور الموجود لتنظيم السير قرب السجن ، وأبلغ شرطي المرور حرس السجن عن عملية الهروب . وبذالك حاول المنشقون الإيحاء للرأي العام والشيوعيين العراقيين بأن هذه العملية البطولية هي من انجاز القيادة المركزية - المنشقين - والواقع فإن الذي ساعد المنشقين في تعزيز هذا الانطباع للشارع العام هو عاملين رئيسيين , الأول .هو أن تنفيذ الهروب تم بعد وقوع الإنشقاق بحوالي الشهرين ، والثاني. أن غالبية الهاربين كانوا من المنشقين ، وأن رفاق الحزب كانوا قلة إذ لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة ، أما كيف ولماذا كان ذالك ، هذا ما يجهله الشارع والشيوعيين العراقيين الذين غابت عنهما الحقيقة تماماً وعلى مدى أربعة عقود من الزمن بسبب سياسات النظام البوليسي القمعي وإنعدام حرية الصحافة والنشر ، وليس هذا بخافٍ عن شعبنا وقواه الوطنية الذين عانى الأمرين من نار ذلك النظام الفاشي الدموي ولن تسنح فرصة مناسبة لكشف هذه الحقيقة ولذا أرى إنه آن الأوان اليوم لإطلاع الرأي العام والأجيال الجديدة من الشيوعيين العراقيين على إحدى المآثر البطولية للشيوعيين , وما أكثرها في السجل الطويل والمشرق لحزب فهد وسلام عادل الخالدين أبدا.

· هل اتخذتم الاحتياطات اللازمة بعد الهروب من حمل هويات مزورة لتجاوز السيطرات الأمنية ؟
· بداية تموز من العام 1967 كلفت المنظمة ثلاثة رفاق بمهمة الأشراف على عمل الهويات , ثم تهيئة الإعداد للهويات -المزورة -وسحب الصور للرفاق الذين تقرر هروبهم وهم الشاعر مظفر النواب والمعلم حسين ياسين من أهالي الناصرية وحافظ رسن , لكن الهويات المزورة لم تسلم لأعضاء منظمة الحزب واستفرد بها أعضاء القيادة المركزية .

· هل هربت من السجن مع بقية الرفاق , وبعد خروجك من السجن أين اختفيت , وكيف تم اتصالك بالحزب لغرض العودة للنضال؟
· خرجت الثالث عبرَّ النفق كما كان متفق عليه من خلال الكراج , وتنسمت عبير الحرية التي حرمت منها لسنوات , واتجهت بخطوات هادءه إلى باب الكراج وكان الحارس جالساً في باب الكراج ، ألقيت عليه التحية , فرد التحية بطيبة , ثم وقفت أمام باب الكراج انظر يمينا وشمالا بحثاً عن حسين سلطان (ابو علي ) كما هو متفق عليه فلم أجده ، وانتابني شعور بالقلق والحيرة لأنني لا اعرف من أين اتجه وأي طريق اسلك ، فأنا لم أرى مدينة الحلة من قبل , وبينما أنا بهذا الحال ، وإذا بعربة تجرها الخيول (ربل ) تتجه نحوي , ودون أي كلام قفزت إلى داخل العربة وجلست على أحد مقاعدها حتى ذهل الحوذي من فعل المفاجئة والتفت بوجهه نحوي متسائلا ؟...ها عمي وين تريد ...أجبته على الفور :
عمي أريد كراج بغداد , وبعد أن اطمأن قال :
ممنون عمي ...وأخذت الخيول تجر العربة وهي تركض خببا باتجاه كراج بغداد وعند الوصول إلى الكراج ، أعطيت الحوذي أجرته وترجلت على عجل ، الآن أنا حر طليق في عالم الحرية الرحب وبدأت أحث الخطى وعيناي تبحث عن أشخاص كانوا قبل لحظات معي بين أربعة جدران ، فلربما قد سبقني إلى هذا المكان أبو علي لكني لم أجده أيضا .

· كيف تمكنت من الانتقال من مدينة الحلة إلى بغداد , ومع مَنّ من الرفاق الهاربين من السجن؟
· كانت السيارات منتشرة وكثيرة ، لكن الركاب قليلون , الأمر الذي يتطلب الأنتظار لوقت طويل ، وهذا ليس في صالحي بهذا الظرف المحرج ، سيما لم يكن معي المال الكافي لاستئجار سيارة لحسابي الخاص ، وبينما أنا بهذه الحيرة والقلق شاهدت مظفر النواب وحسين ياسين وحافظ رسن وفاضل عباس اتجهوا نحوي وهم ينظرون إلى السيارات أيضا ، ثم اتفقنا على استئجار سيارة لحسابنا الخاص , واتفقنا فعلاً مع أحد السواق لنقلنا إلى بغداد الحبيبة , انطلقت السيارة بنا صوب بغداد ، كان مظفر يرتدي الزي العربي العباءة والعقال وتبدو عليه علامات الهيبة والوقار , ونظر مظفر بطرف عينيه الى السائق وبادره بالسؤال
خوية اسمك بالخير ؟
فأجابه السائق: ...اسمي حسين ..وانت حجي شسمك ؟
فأجابه مظفر بدون تردد: ....آني اسمي زاير ثويني ، ثم سأل مظفر السائق مرة أخرى:
خوية أبو علي هل هناك سيطرة تفتيش في الطريق ؟ وقبل أن يجيبه السائق ، شعر مظفر كما يبدو بأن سؤاله ملفت للنظر فاستدرك قائلا : ...خوية أبو علي ...والله عندي هذا خادمك - مشيرا بيده لي لأني أصغرهم سنا - طالب إعدادية وناسي هويته بالبيت ...وأحنا مستعجلين وجايين لبغداد لاستلام جنازة ،أجابه السائق وهو ينظر لي : ...والله يا زاير ثويني اكو تفتيش بالطريق مو ماكو ...بس أنتوا من توصلون السيطرة ...أقروا آية الكرسي وإنشا الله كلشي ماكو ، وشكره مظفر على نصيحته .
ومرَّ الوقت ثقيلا وكان الجميع متوجسون إلى حد كبير لأنهم يعلمون إني الوحيد بينهم بلا هوية وهذا مصدر القلق ولذا كانوا يخشون من أي طارئ قد يفاجئنا ، وأخذت المسافة تقصر شيئاً فشيئاً حتى أصبحت بغداد على مرمى البصر منا ، وعند الساعة العاشرة ليلا وصلنا إلى بغداد وتوقفت السيارة في ساحة المتحف "علاوي الحلة " فاطمأنت نفوسنا وزال الخطر وترجلنا جميعا من السيارة على عجل ، وبينما كنا نهم بالافتراق كل إلى جهته قال لي حسين ياسين :
تجي ويانة فقلت له ؟....لا أشكرك هذا حدنه وياكم ، وأتجه الأربعة إلى الجهة التي حددوها سلفا ، فيما اتجهت أنا إلى وجهة أخرى , شعرت بفرحة عارمة تغمرني وأنا في الطريق إلى الكاظمية من منطقة علاوي الحلة (مقابل سينما بغداد ) وأنا الآن حرّ طليق وعلى موعد مع حبيبتي مدينة الكاظمية ومع الحزب .

· ماذا كان يجول في خاطرك وأنت حرّ طليق في مدينة الكاظمية ؟
· وصلت إلى (باب الدروازة ) فتواردت إلى ذهني صور المقاومة البطولية أبان انقلاب الثامن من شباط الأسود عام 1963 وارتسمت أمامي صور احتلالنا لمركز الشرطة والتظاهرات والنداءات التي وجهناها إلى الجماهير التي هبت لمقاومة الانقلابيين الفاشست ، وسلكت الأزقة الضيقة المظلمة خشية السير في الشوارع الرئيسة ودخلت (عكد الكنجلي ) كما يسميه الكاظميون وهو من الأزقة القديمة المظلمة ، وتذكرت عريف الأمن (جاسم عفتة ) عندما مسكني يوما ها هنا أواخر عام 1962 , وكان الوقت ليلا أيضا ،وكنا قد خرجنا للتو من اجتماع حزبي وكنت احمل معي محضر الاجتماع الذي كان من ورق الرايز الشفاف وملفوف على شكل قطعة حلوى ، سارعت حينها وبسرعة غير ملحوظة من أحد إلى وضع المحضر بين إصبعي السبابة والإبهام ورفعت يدي إلى الأعلى ليفتشني العريف جاسم ، ولم يجد أي شيء عندي فانصرف ومعه شرطي الأمن (محمد جواد حساني )حتى دهش الرفيقان الذين كانا معي وقالا أين أخفيت المحضر يا رفيق ؟ وواصلت السير مسرعا وكانت الساعة الحادية عشر ليلا باتجاه محلة "البحية وأم النومي " حيث كان يسكن أخي " جعفر " لكني لم اعرف بالضبط أين منزله (كونه مستأجرا ) وذهبت إلى بيت عمه "والد زوجته "وسألته عن بيت جعفر النداف ، وخرج أبو جاسم (عم زوجته )وقد غلب عليه النعاس - كما بدا عليه - فضلا عن كونه كريم العين - ولم يعرفني ، وسألني قائلا: شتريد منه بهذا الوقت ؟أجبته على الفور:
أنا نداف وعندي شغل مستعجل وأريد مساعدته غداً في العمل ، واصطحبني الرجل الطيب إلى بيت أخي ، وتحاشيت الكلام معه طيلة مسافة الطريق كي لا ينتبه ويعرفني من خلال صوتي وبعد ذلك ينشر الخبر في المنطقة ويفتضح أمري ، ثم أشار بيده إلى زقاق ضيق يقع بيت أخي ، وهنا بادرته وطلبت منه الرجوع لداره وشكرته على صنيعه ومعروفه لأنه كان نائماً وربما سببت له الإزعاج بعد عودته لبيته ، توجهت أنا صوب الباب وطرقته بهدوء ، وخرج أخي فأصابه الذهول وكأنه غير مصدق لما يرى أدخلني البيت بسرعة وهو ينظر إلى الشارع ليطمئن لخلوه من المارة والفضوليين وبعد نيل قسط من الراحة قلت لأخي جعفر: لحسن الحظ أن أولادك جميعهم نائمون فلا تخبرهم بشيء وعليك أن تأخذني حالا إلى بيت أخي حسين ، لأنه يسكن في مدينة الحرية (الدولعي ) بعيداً عن محلتنا (أم النومي ) فاصطحبني جعفر على دراجته الهوائية إلى الدولعي وكانت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل , وعند وصولنا فوجئ الجميع أيضاً واستيقظ أخي حسين ثم طلب من جعفر أن يأتي في الصباح الباكر لينقلني إلى بيت عمي في الوشاش لحين عودة حسين من الدوام حيث كان قد التحق للخدمة العسكرية جندي مكلف بعد إطلاق سراحه من سجن نقرة السلمان ، وفعلا جاء جعفر مبكراً صباح اليوم التالي لينقلني إلى الوشاش وعلى دراجته الهوائية أيضا وهو يحب الحزب لكنه ليس شيوعيا وكان قد شارك في مقاومة انقلاب الثامن من شباط الأسود عام 1963 أما حسين فقد كان رفيقا شيوعيا .

· هل اتصلت بقيادة الحزب للعودة إلى النضال بعد هروبك؟
· في مساء يوم -7-11-1967 وهو اليوم الثاني للهروب كان أخي حسين قد ابلغ الحزب ، وجاء رفيق من الحزب ليلاً إلى الوشاش ونقلني إلى بيت احد الرفاق , وهكذا التحقت إلى صفوف الحزب من جديد لمواصلة النضال المشرف والطويل , كان مكان هذا البيت في الكاظمية وصاحب البيت رفيق معروف ومكشوف في المنطقة ، ولذا فإن الحزب لم يطمأن حتى نقلني في اليوم التالي إلى بيت آخر وفي منطقة أخرى .

· كما سمعت وانا شاب يافع في تلك الفترة عن عملية هروب السجناء الشيوعيين من سجن الحلة , كم كان عدد الرفاق الهاربين , و كيف كان شعورك عند إعلان حكومة عارف عن عملية الهروب ؟
· الإعلان عن عملية النفق والهروب بعد ثلاثة أيام من الهروب ، جاءني الرفيق أبو علاء (الذي كنت مختفيا في بيته ) بجريدة ( الإعلان )الصادرة حينذاك والتي نشرت تصريحا لمدير السجون العام يعلن فيه عن عملية النفق والهروب من سجن الحلة المركزي وتمكن مجموعة من السجناء السياسيين من الهروب من السجن ، وذكر إن عددهم بلغ أربعين سجينا وأكد مدير السجون بأنه تم إلقاء القبض على (14) سجينا منهم داخل مدينة الحلة كما نشرت أسماء الهاربين والواقع كان هذا الرقم (40) مفاجئا بالنسبة لي ، إذ كنت أتوقع أكثر من هذا الرقم بكثير وكان من المؤمل فعلا أن يكون أكثر ، لو لا عملية الغدر التي قام بها المنشقون كما سبق الإشارة ، هذا وقد ذكرت جريدة (الإعلان )أسماء السجناء السياسيين وسنوات محكومياتهم وكما ياتي :
1- جاسم محمد المطير 20 سنة
2- حمادي عبد الله 20 سنة
3- حسين علي مراد 20 سنة
4- حافظ رسن 5سنوات
5 - حسين ياسين 3سنوات
6- عبد العزيز الحامد 20 سنة
7- عبد الجبار علي الجبر 20 سنة
8- عبد اللطيف حسن 20 سنة
9- عبد الامير سعيد 20 سنة
10- حميد غني جعفر 20 سنة
11- عدنان ابراهيم 20 سنة
12- رياض كريم حبش 10 سنوات
13- عادل عباس زبالة 7 سنوات
14 -عبد الجبار مال الله 20 سنة
15- مظفر عبد المجيد النواب 20 سنة
16- ريحان عبد الله 15 سنة
17- نبيل حسين 15 سنة
18- غانم داود الموصلي 5 سنوات
19-عدنان عبد الله سمعو 20- سنة
20-اسعد عبد العاقولي 20- سنة
21- عقيل عبد الكريم حبش 10- سنوات
22- سعدان فهوي 20- سنة
23- سعد الله ملا محمد 12- سنة
24- جياد تركي 20- سنة
25- كمال مدني 11- سنة
26- محمد حسين حمدي 10- سنوات
27- صدام حميد 20- سنة
28- قحطان عارف 27- سنة
92- محمد موسى كاظم 5- سنوات
30- حزعلي جاسم خلف 20- سنة
31- بشير الزرعو 20- سنة
32- صلاح حسن شاهين 20- سنة
33- هادي صالح 3- سنوات
34- محفوظ يونس 20- سنة
35- جاسم حذو 15- سنة
36- جواد عبد الله 10- سنوات
37- حسين سلطان 9- سنوات
38- عبد الواحد خلف 20- سنة
39- حازم صابر 1- سنة
40- فاضل عباس 17- سنة

· هل هنالك إضافات أو تعليقات رفيقي العزيز أتمنى ذلك لتكون شاهداً و ليسجلها التاريخ ؟
· من هذا المنطلق لإيضاح وتثبيت الحقيقة , كانت كل كتاباتنا وحواراتنا ليس الظهور بمظهر البطولة وإبراز دوري الشخصي كما يسعى إليه المنشقون لأن دوري قد ذكره كل المشاركين في العملية وفي المقدمة منهم عضو اللجنة المركزية للحزب و مسؤول المنظمة الحزبية الراحل حسين سلطان وهذا لوحده مفخرة أعتز بها ، وكذلك ذكره حتى المنشقون أنفسهم مثل الأستاذ المطير والزميل عقيل حبش وكمال ملكي وآخرون والباحث محمد علي محيي الدين (أبو زاهد) ، وتحدثوا عني قبل أن أتحدث أنا عن نفسي ، إذاً دوري لا يحتاج إلى شهادة ، والمهم هو دور الحزب ومنظمته الحزبية ودور الرفيق حسين سلطان وهذا ما حاول المنشقون إلغاءه وتهميشه وهو ما حفزني لتأكيد دور الحزب وقلت منذ البداية إن البطولة كل البطولة والفخر هي للحزب وحده , و نحن إلا جنود منفذين لمهماته النضالية , إن مسؤولية الحفاظ على تاريخ الحزب من التشويه والتزوير والسرقة ، هو أمانة كبرى بأعناقنا ، وها نحن قد ابلغنا الأمانة أمام الحزب والتاريخ ، وأخيرا تبقى كلمة الفصل الأولى والأخيرة هي لقيادة الحزب الحالية في الدفاع عن تأريخ الحزب المشرق والحفاظ عليه من التشويه والتزوير والسرقة .
نبيل عبد الأمير الربيعي

علي الموصلي 2021-08-15 12:11 PM

رد: سجن نقرة السلمان ذكريات ومآسي
 
1000 يوم في سجن نقرة السلمان الحلقة السادسة والعشرين
دارت دورة الحياة على شباط الدم والموت عاما واحدا وحل شباط عام 1964 على سجناء نقرة السلمان وكان الفارق بينهما أن الأول كان شعاره القضاء على جمهورية الرابع عشر من تموزعام 1958 الديموقراطية الشعبية بجميع وسائل القمع والعمل للقضاء على كل من ساهم في ارساء دعائمها أما شباط عام 1964 فقد كان حزينا وصامتا ومؤلما لدرجة أنه سلب المغلوبين الأحساس بالواقع والحياة الأعتيادية ولكوني أحد هؤلاء يمكنني أن أنقل أنطباعا واضحا عن عدم الشعور بالوجود وما يحمله من مؤثرات كتأثير المناخ وحالة الجو في مثل هذا الوقت من السنة وأنني لحد الآن أحاول أن أستذكر وأسأل نفسي هل كان الجو غائما وهل كانت الرياح عاصفة وهل كان البرد قارصا وأكثر من كل ذلك لا أتذكر هل أن السماء قد أمطرت وكيف كان حالي وحال الآخرين تحت مطر الصحراء والغريب في الأمر أنني الذي كنت أنتظر المطر ومواسم زخاته المثيرة قد ذكرته في أحدى أمسيات السلمان الأدبية وتحت عنوان(ثم جاء المطر) وهي صورة قلمية لروعة المطر قبل أن يغيب عن بالي في شهر شباط السلمان أن الحدث المهم والمثير الذي ترك أثرا حزينا في نفوسنا نحن سكان مستعمرة المنفيين في صحراء السلمان هو فقداننا للضابط الشجاع صلاح أحمد حمدي الذي أنتهت حياته الحافلة بتراجيديا أشبه ما تكون بنهاية فرسان الحرية الأبطال وخلق حفل تأبينه جوا من الحزن العميق على السجناء المتجمهرين في باحة السجن ومما زاد على ذلك الجو المحزن القصيدة التي القاها شاعر النضال الثوري مظفر النواب
المنايا الما تزورك زورها
خطوة التسلم ذبايح سورها


لقد جمعتني بصلاح علاقة حميمية داخل السجن وبسبب كوني أمارس طقوس محاولة التعرف على الآشخاص المتميزين وقراءة سيرة حياتهم عن كثب لذا فقد صرفت وقنا ليس بالقليل لمصاحبة صلاح والتمشي معه حول القواويش والى وقت متأخر من الليل وهو يحدثني عن محاولات هروبه المتكررة والتي تكللت بالنجاح أحيانا وبسوء الحظ أحيانا أخرى والذي يحول دون أكماله نيل الحرية بشكل تام وسأدون ما اختزنته ذاكرتي من تلك المحاولات والتي سردها لي صلاح وبشكل عفوي وبما لايسمح مجالا للسامع بأدخالها مدخل الشك أو المبالغة لما لديه من حجة وواقعية وهو المعروف بذلك الضابط الصغير الذي وقف أمام رئيس محكمة الشعب العقيد فاضل عباس المهداوي يدلي بأفادته عن كيفية تمرد السرية المسؤولة عن حماية مشروع عين زالة خلال مؤامرة العقيد عبد الوهاب الشواف وقد كانت أفادته أشبه ماتكون بتقرير سباسي شخص بها الوضع العام آنذاك وأسباب قيام المتآمرين بالمهمة التي أسندت لهم ودور القوى الوطنية للتصدي لها واتسمت تلك الافادة بلغة بليغة وسليمة وعبارات متقنة ومتواصلة مما حدا برئيس المحكمة بالقول (أتمنى أن يكون جميع الضباط العراقيين مثل هذا الضابط الشهم)
1-محاولة الهروب الآولى:
القي القبض على صلاح قي وحدته (زوارق الطوربيد) في اليصرة بعد أن حث الجنود والضباط على مقاومة الانقلابين ألا أن روح اليأس وتدني معنويات الجنود والضباط بسبب الصراعات الحزبية والشعارات الاستفزازية وموقف السلطة الوطنية المتشكك أتجاه المخلصين للثورة وأبعادهم عن المراكز المهمة قد حالت دون أفشال الموامرة والقضاء عليها في مهدها.
لقد سفر صلاح الى الموصل لمحاكمته بتهمة قتل آمر سرية عين زالة المشارك بموامرة الشواف أعيد صلاح الى بغداد لوجود قضايا أخرى تستوجب محاكمته وقد سفر بالقطار النازل الى بغداد مع مجموعة أخرى من الضباط فعند وصول القطار الى محطة بغداد عقدت المفاجئة السن زملائه فقد ظهر صلاح أمامهم


بملابسه العسكرية ورتبته ملازم أول ثم أخذ يصدر ألآوامر الى ثلة الآنضباط وبلهجة صارمة وهو يحثهم على مراقبة المجموعة التي معه ويطلب من الحرس أن يشددوا الحراسة عليهم لأنهم عناصر خطرة وأنه سيعود بعد قليل لأستلامهم ثم أستقل سيارة أجرة وأختفى عن ألأنظار اما كيف تسنى له أن ينفذ خطته فقد طلب من أهله أن يجلبوا له ملايسه العسكرية وأخفائها بين رزمة الأمتعة أما كيفية أرتدائها فقد دخل الى مرافق القطار قبل وصوله الى محطة بغداد وتمكن من فتح جامعة اليد الحديدية وخرج من نافذة المرافق ليواجه الحرس وزملائه من طرف آخر مما حقق بهذه الطريقة عنصر المفاجئة وعدم الشك .
2- محاولة الهروب الثانية:
أختفى صلاح في بغداد من أجل العمل ولملمة شمل ما تبقى من العناصر الوطنية وفي أحد المرات التي كان يجري فيها الأتصالات علم بأعتقال والده وزوجته وأيداعمها قصر النهاية فقرر تسليم نفسه أكراما لأبيه وحفاظا على شرف زوجته وقد شكلت عملية تسليم نفسه حالة فريدة وشجاعة فقد كان يعلم أن قائد قوات الحرس القومي هو الطيار منذر الونداوي في النادي الأولمبي في الأعظمية أما كيفية وصوله الى غرفة منذر الونداوي فهي غريبة أيضا حيث تسلق الشجرة المحاذية لسور النادي ثم طوح جسده بواسطة غصن من الأغصان ونزل بواسطته الى باحة النادي وذهب مباشرة الى غرفة قائد الحرس والذي تفاجأ به وهو على عتبة الغرفة وللمعرفة القديمة بين الأثنين خلال وجودهما في دورات عسكرية في لندن تعرف منذر الى صلاح فسرعان ما وجه غدارته الكلاشنكوف اليه الا أن صلاح بادره بالقول ( انني أعزل وقد جئت لأسلم نفسي وبشرط أطلاق سراح أبي وزوجتي وعندها طلب منه منذر ان يجلس ليحاوره وعرض عليه التعاون معه قائلا (صلاح أنت ضابط شجاع وذكي فلماذا لاتتعاون معنا وننسى الماضي وكل مايتعلق بك من تبعات قانونية فسوف أعمل من أجل الغائها فرد عليه صلاح قائلا (أكيد أنكم قد قتلتم الكثيرين منا وانني متهم بقتل أحد مؤيديكم فلو تمكنتم من أعادة الحياة الى من قتلتموهم وكذلك بدورنا نتمكن من ذلك فعندها نتفاهم ) ففهم منذر الرسالة وعرف أن لامجال للتفاهم معه فتم له ما أ راد وأرسل مخفورا الى قصر النهاية ليلقى مصيره المحتوم.
عند قصر النهاية واجه صلاح صنوف التعذيب والعذاب النفسي فلم يبق في جسمه مكانا لم يطله الضرب فاكتسى وجهه بطبقة كثيفة من الدماء لدرجة أضاعت معالمه الا أنه لم يستسلم لليأس ولم يسمح لنفسه بالانهيار فما أن وجد الفرصة مواتية لترك السرداب الرهيب المكتظ بأجساد الموتى والمصابين والمغمى عليهم فأنتقل ببراعة الى سطح قصر النهاية وهناك وجد عددا من ضباط صف القوة الحوية يفترشون السطح وهم في حالة يرثى لها من شدة التعذيب والجوع وأن قسما منهم قد أغمي عليه وقسم آخر قد فارق الحياة فتمكن من أخذ معطف أحدهم ممن فارق الحياة وأندس بينهم وقد صادف أن حضر أحد الجلاوزة ليهددهم بالاعتراف وبعكسه فسيكون مصيرهم كمصير صلاح الذي قتلوه في السرداب لعدم أعترافه .
لقد جرى نقل ضباط صف القوة الجوية وبظمنهم صلاح الى السجن العسكري الرقم واحد وما أن وصلوا الى هناك حتى أستقبلهم مدير السجن حازم الاحمر بالشتائم والضرب وخلال أيداعهم أحدى الزنزانات تطلع الى وجه صلاح وأمعن النظر اليه ومن بعض ملامحه التي تشير اليه بسبب المعرفة الكبيرة بينهما ولكون الاثنان من مدينة الموصل فقد صرخ مدير السجن به (ولك ما انت صلاح؟) لكن صلاح انكر وادعى بانه احد منتسبي القوة الجوية وتحت التعذيب المصحوب بحالة الانتقام تاكدت هوية صلاح ونقل الى معتقل الخيالة لغرض تسفيره الى الموصل لتنفيذ حكم الاعدام به الا ان روح التحدي والاصرار على البقاء لم تفت في عضد صلاح فتمكن من قلع شباك الزنزانة والهروب من معتقله واول شيء اقدم عليه هو الذهاب الى داره التي استاجرتها عائلته بعيدا عن اعين الرقباء وما ان وصل الى الدار حتى وجد مجموعة من النساء تحيط بزوجته الراقدة على السرير وهي في حالة مخاض وما ان شاهدته واقفا على باب الغرفة صرخت واطلقت وليدته البكر الى حياة والدها الحافلة بالمخاطر والموت وعندها اخبرته النسوة ان المولود هي بنت وبعفويته وسرعة بديهيته قال (اسموها رباح) لتكون ربحا لنا في صراعنا مع الباطل.
ثم غادر المكان ليختفي بين الناس الفقراء والذين كانوا يعملون بصمت من اجل ازاحة الكابوس عن الشعب.

تركت هذه الحالة اثرا في نفسي مما حدا بي وانا الذي اتاثر بمثل هذه المواقف ان ارسم صورة لصلاح تمثله خلف القضبان وهو يمد يده الى الخارج ليزرع وردة تتوسطها وجه ابنته رباح.
اختفى صلاح وكان ظهوره عجيبا وفريدا هذه المرة وقد كان من ضمن من نقلوا في قطار الموت وليس كضابط بل رجل اعرابي يعتمر (اليشماغ البالي) والصاية المهلهلة وبلحية كثة وما ان دخل من باب سجن السلمان الحديدي الكبير مع الحشود القادمة بقطار الموت حتى انطلقت بعض الاصوات مرددة اسمه لكن سرعان ما بادرهم باشاره وهي وضع سبابة يده على شفتيه وبما يستدل منها بان نلزم الصمت ولا نذكر اسمه
استمر صلاح يسرد تفاصيل هروبه لي فبين بانه اختفى في احد البيوت الخاصة بتنظيم حركة 3/7/1963 والتي البطل الأسطوري حسن سريع
وقد ورد ذكر بعض التفاصيل والمعلومات عن الدكتور علي كريم بكتابه (البيرية المسلحة) حيث جاء في تلك التفاصيل أن احد الضباط ولم يذكر اسمه قد حضر الى معسكر الرشيد مستقلا دراجة نارية ليلتحق بالثوار وقيادتهم الا انه وصل متاخرا وبعد تصفية الحركة والقضاء عليها ومن اجل بيان الحقيقة وللتاريخ فقد ذكر لي صلاح بانه هو الشخص الذي حضر الى معسكر الرشيد وقد كان حضوره متأخرا بسبب تغيير يوم التنفيذ و ساعة الصفر ولم يبلغ بها

4- الهروب الى الابدية
أحيطت عملية الهروب نلك بسرية تامة لأن فشلها قد يودي بحياة صلاح وان نجاحها توصله الى بر الأمان والخلاص من تنفيذ حكم الأعدام والذي أصبح وشيكا لكن القدر وسوء الطالع كان يلازمه خلال جميع محاولاته فانتهت حياته مثلما تنتهي حياة جميع الثوار الابطال على مر التاريخ وللاسف أن حياة بطلنا العراقي هذا قد طواها النسيان وكان الأجدر بالفقراء والمعدمين والحالمين بغد أفضل أن يثبتوا صورته على قمصانهم ويعلقونها على جدران أكواخهم وحاراتهم المنسية وعلى بيارغهم خلال مسيرات ألأحتجاج مثلما أتخذ الشباب في العالم صورة البطل الثوري( أرنستو تشي جيفار) رمزا لانتفاضاتهم واحتفالاتهم الجماهيرية
تهيأ صلاح لتنفيذ عملية هروبه الأخيرة وأخذ متاعا عبارة عن الخبز والتمر وارتدى ملابس خفيفة وانتعل حذاء رياضة وتمكن من الحصول على(قنباص) للدلالة ومعرفة الاتجاه وتم أخراجه من السجن مساء وأختفى داخل بئر موجودة أمام باب السجن على أن يغادرها عند منتصف الليل لكن الفرصة لم تحالفه في تلك الليلة فقد صادف أن تبقى الدورية مرابطة فوق حافة البئر وبقي داخل البئر في الماء البارد وتحت درجة من برودة شهر شباط الصحراوي القارص والى ليلة ثانية ليجد طريقه عند منتصفها
لكن الفاجعة والمأساة يجب أن تحل وأن تكون النهاية هي واحدة عند جميع الآبطال الآسطوريين فقد أخبرتنا أدارة السجن بأن واحدا من زملاءكم ممن حاول الهرب قد وجد ميتا في وسط الصحراء وعلى مبعدة قليلة من مدينة السماوه وأن الطيور الجوارح والضواري قد أكلت جزء من وجهه فخرج بعض السجناء وبصحبتهم السجين الطبيب ألاخصائي عبد الصمد نعمان وبعودته أنتشر الخبر المفجع فعم الحزن أرجاء سجن نقرة السلمان وبذلك ودعوا أجمل وأشجع رجل وجد ميتا على أديم صحراء الوطن وهو يطبق كفيه على حفنة من الرمل من شدة الألم وجور الزمن وجحود ابناء جلدته الأخوة والأعداء ولم يملك المنفيون في النقرة سوى الآهات والحسرات وهم يصغون لصوت النواب وهو ينشد مؤبنا صلاح الأسطورة:

المنايا الما تزورك زورها خطوة التسلم ذبايح سورها
طافح عله الريح عينه يدورها أملح من ترابها وناعورها
صكر البيدة تعز صكورها وبأثر جدمه تلوذ كل طيورها
وسفه ما حظت صكرها وسلمته بليل عمت ناطورها



الساعة الآن 07:13 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2022, vBulletin Solutions, Inc.